المنة شرح اعتقاد أهل السنة
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 235
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
فصل
واتباع محمد ﷺ فرض على كل مكلف من الإنس والجن إلى يوم القيامة، إذا بلغته رسالته، وهذا من الإيمان بالرسل جميعًا، وخصوصًا محمدًا ﷺ.
واتباع محمد ﷺ ليس مجرد التصديق بنبوته فقط، وإنما اتباعه يعني: لزوم شريعته التي أتى بها، وهذا فرضٌ على كل مكلف من الإنس والجن إلى يوم القيامة إذا بلغته رسالته.
وإنما قيدنا بهذا القيد -بلوغ رسالته ﷺ-؛ لأن النبي ﷺ قال: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ (١) يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ»(٢)، فالذي لم تبلغه الرسالة لا يُكَلَّف بها، قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقال: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥]، فأما إذا بلغته الرسالة فكُذِّب بها، أو لم يتبع النبي ﷺ، أو قال عنه ﷺ: هو نبي العرب؛ فهو كافر (٣).
فلو أن اليهود والنصارى قالوا: هو رسول الله لكن إليكم أنتم فقط، لكانوا كفارًا خارجين عن الملة كما ذكرنا، فلا يقبل الله عز وجل من أحد صرفًا ولا عدلاً إلا بالإيمان به ﷺ، قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ [الأعراف: ١٥٨]، فمن قال بعد ذلك: إنه ليس رسول الله، أو إنه رسول لبعض الناس دون بعض، فقد كذَّب الله؛ وأشرك بالله؛ لأنه عَبَّدَ إبليس -الذي أمره أن يُكَذِّبَ الله عز وجل- وأطاعه في الكفر، ومن قال عن النبي ﷺ: إنه نبي الأميين ولا يلزم اتباعه، أو قال: إنه ليس برسولٍ أصلاً، فهذا أشد كفرًا.
______
(١) أي أمة الدعوة لا أمة الإجابة.
(٢) رواه مسلم (١٥٣).
(٣) والدجال نفسه مصدق أن النبي محمدًا ﷺ نبي الله حقًا ولكنه يقول: هو نبي الأميين، فقال كما في حديث تميم الداري: «هَلْ بُعِثَ نَبِيُّ الْأُمِّيِّينَ»، [رواه مسلم (٢٩٤٢)]، فهو يشهد له بالنبوة والرسالة، وكذلك شهد له ابن صياد الدجال اليهودي، فقال له النبي ﷺ: «أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللهِ؟»، فَقَالَ ابْنُ صَيَّادٍ: «أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الْأُمِّيِّينَ»، [رواه البخاري (١٣٥٥، ٣٠٥٥، ٦١٧٣)، ومسلم (٢٩٣١)]، فهذا دليلٌ على أن كبار الدجالين من اليهود وغيرهم يشهدون للنبي ﷺ بالنبوة والرسالة، حتى الدجال الأكبر وهو من أكفر الكفرة يشهد للنبي ﷺ بالنبوة والرسالة ولم يتبعه.
