المنة شرح اعتقاد أهل السنة
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 237
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
دعوة إلى التوحيد، وهذا موجود بين أيديهم إلى يومنا هذا، وهم مع ذلك يشركون بالله (١).
الغرض المقصود: أن دعوة الأنبياء واحدة، واتباع الرسول ﷺ فرض، واتباعه ﷺ اتباع لجميع الرسل، ومَنْ اعتقد أنه يسوغ لأحد أن يكون مع محمد ﷺ كما كان الخضر مع موسى عليه السلام -لا يلتزم شريعته؛ لأن له شريعة أخرى- فهو كافر بالإجماع (٢).
______
(١) النصارى عندهم في الإنجيل الذي بين أيديهم الآن أن رجلًا سأل المسيح عليه السلام فقال: «أيها المعلم أي الوصايا هي أول الكل؟ قال: كما هو مكتوب: الرب إلهنا رب واحد، رب إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وأن تحب الرب إلهك من كل عقلك وقلبك وفكرك؛ فقال: ثم أيُّ الوصايا بعد ذلك قال: وأن تحب لقريبك ما تحب لنفسك»، فهذه وصايا سيدنا موسى عليه السلام في الأصل، فالمسيح عليه السلام لم يقل من عند نفسه غير ما قيل لموسى عليه السلام وهي: دعوة التوحيد، وأولى الوصايا التي هي أول الكل أولى الوصايا العشر، قيل: لا تسرق، ولا تزن، ولا تقتل... ونحو ذلك، كانت أولى الوصايا: الرب إلهنا رب واحد؛ وكررها سيدنا عيسى عليه السلام ثانيةً؛ ولما كرر لهم بقية الوصايا، لم يقل فيها: إني أنا الله أو ابن الله، وإنما قال: أن تحب لأخيك ما تحب لنفسك، فمن يعمل بهذه الوصايا فهو ناج عند الله ﷻ حسب كلام المسيح عليه السلام. ولا شك أن الإيمان به فرض، ولكنه لم يَدْعُ الناس إلى ما يقول النصارى من أن دعوته تثليث الأقانيم، وهذه ليست دعوته عليه السلام بل دعوة بولس المسمى: بولس الرسول وهو رسول الشيطان؛ وليس من الحواريين، ولم يؤمن بالمسيح طيلة حياته -أي طيلة فترة وجود المسيح على ظهر الأرض-، وإنما كان يهوديًا زعم الإيمان بالمسيح عليه السلام بعد رفعه، ودخل في دين النصارى ليُفْسِدَه؛ وقد نجح في ذلك عند أكثرهم، وأفسده لدى الكثيرين.
(٢) هذه قضية خطيرة جدًا: وهي مسألة الخضر وموسى عليه السلام؛ فالخضر فيه خلاف بين أهل العلم هل هو من الأنبياء أم لا؟ وهذا من الخلاف السائغ؛ لأن النصوص ليست قاطعة ولا ظاهرة فيه، والصحيح التوقف في ذلك، وألا نثبت النبوة ولا ننفيها عنه؛ لأنه يحتمل أن يكون قوله: ﴿ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ﴾ [الكهف: ٨٢] أنه أتاه أمر من الله مباشرة فيكون وحيًا، ويكون هو نبيًّا؛ ويحتمل أن يكون أمرًا من الله لأحد الرسل في زمن الخضر عليه السلام ثم أمر الرسول به الخضر؛ لأن النبي ﷺ لا يُخبِر عن نبوة الخضر، ولا ذكره الله سبحانه ضمن الأنبياء المذكورين، وإنما ذكر الله ﷻ أنه ﴿ عَبْدًا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لُّدُنَّا عِلْمًا ﴾، وهذا التعليم يحتمل أن يكون مباشرًا، ويحتمل أن يكون بواسطة، وقوله: ﴿ مِّن لُّدُنَّا ﴾ يعني من عند الله، فالعلم اللدني هو علم الله، لا أنه يخالف ما جاء به الرسول ﷺ، ولا نجزم إلا بما في الكتاب والسنة من العلم اللدني، فالغرض المقصود أن نتوقف في نبوة الخضر، وهذا هو الراجح، لا نثبت له نبوة ولا ننفيها عنه، فالقرآن لم ينف نبوته إنما أخبر عنه بالفضيلة. وإذا كان النبي ﷺ قد توقف في نبوة «تُبَع»، لأنه لم يأت فيه نص، وقال: «لا أدري أنبيٌّ أم لا» وفي رواية: «ألعين أم لا» [رواه أبو داود (٤٦٧٤) وصححه الألباني في «الصحيحة» (٢٢١٧)]، والرواية الأولى أرجح؛ لذلك فنحن أولى أن نتوقف في مَنْ لم نعلم نبوته؛ فلا نثبت ولا ننفي؛ لأنه لم يأت ما ينفي نبوته، فلقد كان موسى عليه السلام على شريعة أخرى غير شريعة الخضر، فالخضر خرق السفينة وأصلح الجدار، وهذان الأمران يُحتمل أن تأتي شريعتنا بمثلهما؛ كارتكاب المفسدة اليسيرة لدفع المفسدة الأكبر -في حالة السفينة- وكالإحسان إلى من أساء إلينا -في حالة الجدار- أما قَتْلُ الغلام فهذا غير مُحْتَمَل في شريعتنا نهائيًا، لا يُحْتَمَل أن يقتل رجل طفلًا صغيرًا، ويقول: أنا أعلم أنه سوف يكفر إذا كَبِرَ، فإن هذا الأمر لابد أن يكون بوحي قاطع، ولا يصح أن يكون مجرد إلهام لولي. والإلهام حق، ومن كرامات الأولياء أنهم يُلْهَمُونَ، كما قال تعالى: ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [القصص: ٧]، والكشف كذلك، فإذا قلنا:
