شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

المنة شرح اعتقاد أهل السنة

الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 238

نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة

______

=إن الخضر ليس بنبي، فقد كشف الله عَزَّ وَجَلَّ له عن مستقبل هذا الغلام، وأنه سوف يكون كافرًا، كما كشف له أن هناك ملكًا ظالمًا يأخذ كل سفينة غصبًا، والصحابَة كُشِفَ لهم عن الملائكة، وسمعوا صوتها ورأوا جبريل عليه السلام في صورة بشرية، ورأى بعضهم ملائكة في صورة نورانية، مثل أُسَيْد بن الحُضَيْر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لما رأى مثل الثريا تنزل من السماء تسمع قراءته، كما في حديث أبي سعيد الخدري رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن أُسَيْدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بينا هو ليلة يقرأ في مِرْبَدِهِ إذ جالت فرسه، فقرأ، ثم جالت أخرى، ثم جالت أيضًا، قال أُسَيْد: فخشيت أن تطأ يحيى، فقمت إليها فإذا مثل الظلة فوق رأسي فيها أمثال السُرُج عَرَّجت في الجو حتى ما أراها، فغدوت على رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله! بينا أنا البارحة من جوف الليل أقرأ في مِرْبَدي إذ جالت فرسي، فقال رسول الله ﷺ: «اقْرَأ ابْنَ حُضَيْر»؛ قال: فقرأت ثم جالت أيضًا، فقال رسول الله ﷺ: «اقْرَأ ابْنَ حُضَيْر»؛ قال: فقرأت ثم جالت أيضًا، فقال رسول الله ﷺ: «اقْرَأ ابْنَ حُضَيْر»، قال: فانصرفت، وكان يحيى قريبا منه، خشيت أن تطأه، فرأيت مثل الظلة فيها أمثال السُرُج عَرَّجت في الجو حتى ما أراها، فقال رسول الله ﷺ: «تِلْكَ المَلَائِكَةُ كَانَتْ تَسْتَمِعُ لَكَ، وَلَوْ قَرَأْتَ لَصَبَحَتْ يَرَاهَا النَّاسُ مَا تَسْتَتِرُ مِنْهُمْ». [رواه مسلم (٧٩٦)]، فرآهم في صورة نور.

فالكشف والإلهام حق، ولكن الأولياء غير معصومين، والفرق بيننا وبين مبتدعة الصوفية في هذه القضية: أننا وإن كنا لا ننفي الإلهام بالكلية، ولا ننفي ذلك الكشف بالكلية، ولا نقول عنهما إنهما أباطيل، بل نقول: هما حق، وهما من أنواع العلوم والمكاشفات، ولكنهما عندنا ليسا على سبيل الجزم والقطع، وهما عند الصوفية حق ونبأ قاطع ووحي قاطع لا يحتمل عندهم أن يكون خطأ أبدا.

فالهروي مثلا يقول: «إن الإلهام لا يُخطئ أبدا». وهذا كلام خطير، لأنهم بذلك يثبتون العصمة لغير الأنبياء، فيقول قائل منهم: جاءني إلهام أن هذا الحديث غير صحيح؛ وآخر يقول: جاءني إلهام أن هذه الفعلة ليست بدعة؛ وعنده أن هذا قاطع في الحق، فهذا هو الفرق المهم.

ومبتدعة الصوفية دائمًا يحتجون بقصة الخضر على قولهم بمخالفة الحقيقة للشريعة، فنقول: إن من اعتقد أنه يسوغ لأحد أن يكون مع محمد ﷺ كما كان الخضر مع موسى عليه السلام فيكون غير ملتزم بشريعة محمد ﷺ إنما نقصد طوائف كثيرة من الصوفية الذين يعتقدون أن الشريعة للعوام، أما الخواص فهم أهل الحقيقة؛ وخواص الخواص أكثر، وأن هؤلاء يتكشف لهم أو يُلْهَمُونَ أشياء لا يعرفها الناس، وكل الآيات والأحكام عندهم إنما هي خاصة بالعوام، وهذا كفر ناقل عن الملة، لأن قائله يعتقد أن الشريعة ليست للخواص، كيف هذا والنبي ﷺ يقول: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ مُوسَى عليه السلام كَانَ حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي». [رواه أحمد (١٤٧٣٦)، والدارمي (٤٣٥)، والبيهقي في شعب الإيمان (١٧٦)، وحسنه الألباني في «الإرواء» (١٥٨٩)، و«المشكاة» (١٧٧)]، فلو كان موسى عليه السلام حيا لاتبع شريعة الرسول ﷺ.

فالإلهام عند أهل السنة للأولياء يقبل الخطأ والصواب، وكذلك الكشف يقبلهما، فقد يكونان حديث نفس أو وسوسة شياطين تقع للأولياء، ولا يعرفها ذلك الولي في تلك اللحظة؛ فكما أن سيد المُلهَمين في هذه الأمة عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الذي قال النبي ﷺ عنه: «إِنَّهُ قَدْ كَانَ فِيمَا مَضَى قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ مُحَدَّثُونَ، وَإِنَّهُ إِنْ كَانَ فِي أُمَّتِي مُحَدَّثٌ فَإِنَّهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ». [رواه البخاري (٣٤٦٩، ٣٦٨٩)، ومسلم (٢٣٩٨)]، ولقد وقع -مع ذلك- فيما وقع فيه يوم الحديبية؛ وعمل لذلك أعمالًا وقال: «ما شَكَكْتُ إلا يومئذٍ» فهو يومها كان يشك أن الرسول ﷺ قد يكون على خطأ، لا أنه شك في نبوته ﷺ، وإنما شك أنه اجتهد فأخطأ في هذا المقام، وجعل يتردد بينه ﷺ وبين أبي بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ محاولا عدم إتمام الصلح؛ قال: «فعملت لذلك أعمالًا»، وهو المُلهَم رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، لكن اختلط عليه الأمر، وحدثته نفسه أن الصلح خطأ، مع أن الصلح كان فتحًا مبينا بنص الآية.

والصديق رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عظيم التصديق والصدق، ولا تكاد رؤياه تخطئ، ولا يكاد تأويله للرؤيا يخطئ؛ ومع ذلك عندما تأول يوما رؤيا قال له النبي ﷺ: «أَصَبْتَ بَعْضًا وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا»؛ قال أبو بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ=

الصفحة السابقة الصفحة التالية