المنة شرح اعتقاد أهل السنة
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 239
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
______
=يَا رَسُولَ اللَّهِ لَتُخْبِرَنِّي بِالَّذِي أَصَبْتُ مِنَ الَّذِي أَخْطَأْتُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا تُقْسِمْ». [رواه البخاري (٧٠٤٦)، ومسلم (٢٢٦٩)]، وتركه ﷺ دون أن يُبَيِّن له موضع خطئه في التأويل.
فدل ذلك على عدم عصمة أحد بعد النبي ﷺ ولا أبي بكر ولا عمر رضي الله عنهما، مع أنه لا أحد أفضل منهما في أصحابه رضي الله عنهم، فلذلك نقول: إنه لا يجوز لأحد أن يجزم بصحة الإلهام والكشف، وإنما يُستأنس بها، أما ما يُجْزَم به ويُقْطَع به فهو الكتاب والسنة والإجماع.
وأما الكشف والإلهام فهما من الأدلة المرجحة، وليسا من الأدلة التي يُستدل بها استدلالًا، وهما إنما يكونان مرجحين عند من صدق إسلامه وإيمانه وإحسانه، وأخلص قلبه حقا لله عز وجل، فيستأنس بهما، فإن خالفا النصوص فلابد أن يُرَدَّا، ويعرف صاحبها أنها إلهام شيطاني وكشف شيطاني، وليسا رحمانيين.
الغرض المقصود: أن خروج أحد عن الشريعة؛ لا يجوز، ولا خلاف أصلا بين الحقيقة والشريعة؛ لأن الخضر لم يكن يبني عمله على مجرد إلهام له كَوْنًا فقط، فقد قدمنا أنه قد يكون نبيًّا وقد يكون متبعًا لشريعة نبي آخر غير موسى عليه السلام، لأنه من غير المحتمل أن يأتي إلهام لأحد الأولياء بأن يقتل غلاما صغيرا، لأن هذا محرم في كل الشرائع؛ لكنه حدث في شريعة الخضر خصوصا بوحي فيه تعيين لذلك الغلام بالذات أن يُقْتَل، فلا يتصور أن يقول قائل: أنا قد عرفت بالإلهام أن هذا الطفل الصغير سوف يكون كافرا إذا كَبُرَ، بل يجب عليه أن يرد ذلك ويصرفه عن نفسه، فقتله للغلام لابد أن يكون وحيا لنبي؛ إما الخضر نفسه أو نبي آخر بلغ الخضر أمر الله عز وجل أن يقتل الغلام الفلاني في اليوم الفلاني في الساعة الفلانية؛ لأنه سوف يكون كافرا، ولا يستطيع ولي أن يجزم أن هذا أمر الله، وقد قال الخضر نفسه: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢]، وقال: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾ [الكهف: ٨٢]، وقال: ﴿فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف: ٨١] وذلك أن يرزقهما الله جارية صالحة.
الغرض المقصود: أن الخضر خرج عن شريعة موسى عليه السلام؛ لأنه كان في زمن موسى عليه السلام الذي كان نبي بني إسرائيل، وشريعته ملزمة لبني إسرائيل، وأما في زماننا بعد بعثة النبي ﷺ ومنذ بعثته إلى الناس كافة فشريعته ملزمة لجميع الخلق، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]، فعلى القول بحياة الخضر الآن -وهي مسألة فيها اجتهاد، ومن أهل العلم من أهل السنة من يثبتون حياة الخضر، والراجح أنه ليس بحي الآن- لا يجوز أن نقول إنه صاحب حقيقة فيخالف الشرع ويأتي بالبدع والضلالات، ويترك الصلوات، ويترك صوم رمضان، ولا يلزمه اتباع الشريعة؛ لأنه صاحب حقيقة؛ فمن قال ذلك فهو كافر، حتى ولو قال ذلك عن الخضر، لأن شريعة النبي ﷺ غير شريعة سيدنا موسى عليه السلام، فشريعة النبي ﷺ عامة إلى الناس كافة، وشريعة موسى عليه السلام خاصة ببني إسرائيل، ولذلك طلب موسى عليه السلام من فرعون أن يؤمن ويرسل معه -أي مع موسى عليه السلام- بني إسرائيل، ولم يطلب منه الالتزام بالأحكام، وإنما ألزم موسى عليه السلام بني إسرائيل بالأحكام، وكان للخضر علم آخر، فقد قال الخضر لموسى عليه السلام: «يَا مُوسَى إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ اللَّهُ لَا تَعْلَمُهُ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَكَهُ اللَّهُ لَا أَعْلَمُهُ». [رواه البخاري (١٢٢، ٣٤٠١، ٤٧٢٥)، ومسلم (٢٣٨٠)]، فالخضر كان عنده علم هو مأمور به، وهذا أمر غير ممكن في شريعة النبي ﷺ، لأن الخروج عن شريعته ﷺ معناه استحلال ترك الواجبات المعلومة من الدين بالضرورة، واستحلال المحرمات أيضا كقتل النفس مثلا. ولذلك رد ابن عباس رضي الله عنهما على نجدة الحروري مُعَجِّزًا له عندما سأله عن قتل الغلمان، قال: «كَتَبْتَ تسألني عَنْ قَتْلِ الْوِلْدَانِ، وَتَقُولُ: إن العالَمَ صاحبَ موسى قد قتل الغلام، فلو كنت تعلم مثل ما كان يعلم ذلك العالَم قَتَلْتَ، وَلَكِنَّكَ لَا تَعْلَمُ فَاجْتَنِبْهُمْ؛ إن رسولَ الله ﷺ قد نَهَى عن قتلهم». [رواه أحمد (٣٢٨٩، ١٩٦٨)، وقال الأرناؤوط في التعليق على المسند: «صحيح»]، يقصد أن علم ذلك مستحيل، ومن ادعى علم ذلك فهو يدعي علم الغيب مع أنه ليس برسول.
