المنة شرح اعتقاد أهل السنة
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 249
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
الطبقة العليا منها -طبقة عُصَاة الموحدين- بل لا تدل على فنائها بالكلية١، وإنما تدل على وجودها خاوية ليس فيها أحد.
وَقَالَ ﷺ عَنِ الجنة: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ [النساء: ٥٧]، وأحاديث ذبح الموت بين الجنة والنار أحاديث مستفيضة ومتلقاة بالقبول: كما قال النبي ﷺ: «يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ، فَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ! فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ؛ هَذَا الْمَوْتُ. وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، ثُمَّ يُنَادِي: يَا أَهْلَ النَّارِ! فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ؛ هَذَا الْمَوْتُ. وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، فَيُذْبَحُ. ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ! خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ. وَيَا أَهْلَ النَّارِ! خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ»٢.
وَقَالَ ﷺ عَن أهل النار: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [طه: ٧٤، الأعلى: ١٣]، فأهل النار لا يموتون فيها ولا يحيون، وأهل الجنة يحيون الحياة الأبدية، ومعنى أن الذي في النار لا يموت فيها ولا يحيي، أي: لا يحيي الحياة المستقرة التي فيها سكون وراحة فهم يُعذَّبُونَ فيها بأنواع العذاب.
وكلمة «أَبَدًا» وردت في خلود الجنة ووردت كذلك في خلود النار، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ٦٤-٦٥]؛
______
(١) وقول ابن القيم رحمهُ اللَّهُ بفناء النار قول باطل فهو زلة من زلاته، فهو لا يقول بفناء نار الموحدين وطبقاتها فقط، ولكنه في كتاب «حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح»، وفي كتاب «شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل»، يقول بفناء النار كلية، ويتوقف في أهلها، أين يُذهب بهم، وهذه زلة من الزلات، وهي بدعة ضلالة بلا شك؛ فهذا معناه في النهاية انقطاع عذاب الكفار، وهذا مما يخالف صريح القرآن، وهو قد تأول الآيات؛ لكن الآيات لا تحتمل، فالله تعالى قال: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧]، فكيف يقول إنها تخبو نهائيًا! فهذا فيه إبطال لهذه الآية، وقال تعالى: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ [النبأ: ٣٠]، فلو تصور أن النار طفئت، فلابد أن يكون هناك عذاب من نوع آخر، لأن الله تعالى قال: ﴿فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾، فكيف يقال بعد هذا: أن عذابهم ينتهي؛ وقال تعالى عن الكافرين: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ٦٤-٦٥]، وقال عن أهلها وعذابهم: ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥]، فلا يفنون ولا يخفف العذاب عنهم، وقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦]، ففناؤها يقتضي تخفيف عذابهم قطعًا، وإنما وقع رحمهُ اللَّهُ في هذه الزلة بسبب أحاديث ضعيفة، محملها -لو صحت- على خروج عصاة الموحدين من النار، وهي تدل على بقاء النار لكنها خالية ليس فيها أحد.
(٢) رواه البخاري (٤٧٣٠)، ومسلم (٢٨٤٩).
