شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

المنة شرح اعتقاد أهل السنة

الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 258

نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة

إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَاتٍ وَإِنَّهُ لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ الْيَوْمَ، فَتَخْرُجُ لَهُ بِطَاقَةً فِيهَا: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، قَالَ: فَيَقُولُ: يَا رَبِّ؛ مَا هَذِهِ الْبِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلَّاتِ؟ فَيَقُولُ: إِنَّكَ لَا تُظْلَمُ، فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كَفَّةٍ وَالْبِطَاقَةُ فِي كَفَّةٍ فَطَاشَتِ السِّجِلَّاتُ وَثَقُلَتِ الْبِطَاقَةُ، (١).

فالميزان توزن فيه أعمال الناس، ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ۝ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ۝ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ۝ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ۝ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ ۝ نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة: ٦-١١]، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: من رجحت حسناته سيئاته بواحدة دخل الجنة، ومن رجحت سيئاته حسناته بواحدة دخل النار -أي: استحق دخولها-، ومن تساوت حسناته وسيئاته فهو من أصحاب الأعراف ومآلهم إلى الجنة.

وبعد أن ينجو المسلمون من النار بمرورهم على الصراط، يوقفون على قنطرة بين الجنة والنار يقتص منهم لحقوق كانت بينهم، فيقتص بعضهم من بعض، حتى إذا هُذِّبُوا ونُقُّوا أُذِن لهم في دخول الجنة، وقد يرضي ربنا ﷻ المظلومين من عنده ﷻ.

______

(1) صحيح: رواه الترمذي (٢٦٣٩)، وابن ماجه (٤٣٠٠)، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٨٠٩٥).

فإن قيل: فهذه البطاقة مع كل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وقد ثبتت الأحاديث المتواترة بدخول بعض العصاة الموحدين النار ثم خروجهم منها، قيل: هذا الرجل قالها بإخلاص ويقين تام، ثم مات على ذلك؛ فرجحت الشهادة كل سيئاته، فيقولها بإخلاص تام ويقين تام مستلزم للتوبة من الذنوب الماضية إجماليًّا، فبقيت ذنوبه مكتوبة لكن ظهر أثر هذه التوبة عند الميزان، خفت السيئات وطاشت، وثقلت كلمة: «لا إله إلا الله»، مع أن من يقولها قد يخف ميزانه بالفعل، ومن خف ميزانه دخل النار.

وهناك قول آخر في هذا الحديث: إنه يبدل مكان السيئات حسنات، كما قال تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠]، أو عندما يعرض كتابه تمحى السيئات بعد أن يقر بها، ثم توضع الحسنات، فمآل الأمر إلى التبديل، فهي مراحل مختلفة؛ في وقت يراها سيئات، ثم بعد ذلك تكون حسنات، وقد غفر الله ﷻ لهذا الرجل، لكن أثر المغفرة ظهر عند الميزان، وما دامت السيئات قد اكتسبت فلن تمحى بمعنى أنها لا تزول بالكلية، فلابد أن يسأل عن كل شيء، كما قال النبي ﷺ: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ مَا فَعَلَ فِيهِ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ، [رواه الترمذي (٢٤١٦)، والدارمي (٥٣٦) وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٧٣٠٠) ] وفي رواية: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ، [رواه الطبراني في «الكبير» (١١١)، والبيهقي في «الشعب» (١٧٨٥)، وصححه الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (٣٥٩٣) ]، فالإنسان يسأل عن كل التفاصيل حتى عن الطينة يفتتها بأصبعيه، ثم مآل الأمر بعد ذلك إلى المغفرة للسيئات التي تاب الإنسان إلى الله منها.

الصفحة السابقة الصفحة التالية