المنة شرح اعتقاد أهل السنة
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 276
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
فهذا كله أيضًا معلق على مشيئة الله تعالى، كما أشار إليه الحديث: «فَيَقْضِي رَبُّكَ مَا شَاءَ وَيَكْتُبُ المَلَكُ»(١)، وما يكتبه الملك في هذا الكتاب قابل للمحو والإثبات، فإذا شاء الله أن يمضيه أمضاه، وإذا شاء أن يمحوه محاه، ولذلك نجد جبريل عليه السلام يقول للنبي ﷺ عن فرعون: «يَا مُحَمَّدُ فَلَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا آخُذُ مِنْ حَالِ البَحْرِ فَأَدُسُّهُ فِي فِيهِ مَخَافَةَ أَنْ تُدْرِكَهُ الرَّحْمَةُ»(٢)، حين قال: ﴿ءَامَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي ءَامَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠]، فهذا دليل على أن أحدًا لا يدري كيف تكون نهاية الإنسان وعاقبة أمره، فجبريل عليه السلام خشي أن يقع خلاف ما يعلمه -هو- من مصير فرعون، فهذا دليل على أن العبد أيًا من كان ملكًا مقربًا أو نبيًّا مرسلًا لا يعلم الغيب علمًا تفصيليًّا مجزومًا به، فما عُلِمَ علمًا تفصيليًّا فهو معلق على المشيئة فلا يُعْلَم تفصيله من كل وجه إلا الله ﷻ.
والمجزوم به لابد أن يقع قطعًا، فالقرآن والسنة إذا جاء فيها أن الله ﷻ قد شاء أمرًا فلابد أن يقع، ويبقى في هذا الأمر شيء غير معلوم يظل من مفاتيح الغيب؛ فهناك أشياء نجزم بوقوعها كالدَّجَّال، ونزول عيسى بن مريم عليه السلام، وخروج يأجوج ومأجوج، والنفخ في الصور، وقيام الناس حفاةً عُرَاةً غُرْلًا، فهذه الأشياء غير قابلة أن نقول فيها: إن شاء الله غيّرها فلا تقع؛ بل هذه أخبار مجزوم بها ومقطوع بأنها ستقع، قد شاء الله ذلك، ويستحيل أن يقع خلاف ما أخبر.
ومع أنه ﷻ قد أَعْلَمَنَا ذلك علمًا جازمًا إلا أن هذه الأشياء مازالت في الغيب، لأننا لا نعلم لها تاريخًا محددًا، وأما التي حُدِّد لها تاريخ محدد، كعمر الإنسان الذي يكتبه الملك والجنين في رحم أمه، فهذا مُعَلَّق على المشيئة، فتظل مفاتيح الغيب الخمس لا يعلمها إلا الله.
وقد تكلم بعض أهل العلم في مسألة الغيب، واستثنى منه ما أطلع الله عليه بعض أنبيائه ورسله، ولكن الأدلة الصريحة أن هذا مما لا استثناء فيه، أو أن الاستثناء -كما ذكرنا- معلق على المشيئة، وأنه يخبر ببعض التفاصيل دون باقيها، قال ﷻ: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا ﴿٢٦﴾ إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧]، وهذا الإخبار الذي يخبر به الرسل لا يناقض أن الله سبحانه عنده علم الغيب ومفاتيح الغيب.
______
(١) رواه مسلم (٢٦٤٥).
(٢) صحيح: رواه الترمذي (٣١٧٠)، وأحمد (٢٢٠٤)، وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢٠١٥).
