المنة شرح اعتقاد أهل السنة
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 277
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
التي لا يعلمها إلا هو، لأنهم لا يُخبرون عن هذه الخمس على جهة الجزم مع التفصيل الكامل بلا إجمال، بل يبقى هناك شيء من الإجمال -عدم التفصيل- يبقى معه الأمر غيبًا لا يعلمه إلا الله ﷻ، أو يخبر بتفصيل معلقًا إياه على المشيئة، قال ﷻ: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]، وقال ﷻ: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]، فعلم الله ﷻ عِلْمٌ بالكليات والجزئيات -بكل التفاصيل- لا كما يزعم الفلاسفة(١) أن علمه ﷻ بالكليات دون الجزئيات.
والله ﷻ عَلِمَ ما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، عَلِمَ ما وقع، ومتى يحدث ما سيقع؛ وعَلِمَ الأمر الذي لم يحدث لو كان يحدث كيف تكون صفاته وأحواله، وذكر من ذلك أمثلة متعددة في القرآن، فكل ما جاء فيه «لَوْ» و«لَوْلَا» فهو من هذا الباب، قال تعالى عن الكفار: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨]، فلو رد الله الكافرين للدنيا كما طلبوا -أو كما يطلبون يوم القيامة- وهذا الرد لن يحدث- لعادوا لما نُهوا عنه، فهم يطلبون الرجوع للدنيا ليؤمنوا، وعَلِمَ الله ﷻ أنه لو ردهم لعادوا إلى الكفر، فهذا أمر لم يكن، ولكن عِلْم الله ﷻ أحاط به.
وقال ﷻ: ﴿وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ﴿٣٣﴾ وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ ﴿وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣]، فقد عَلِمَ الله ﷻ أنه لو جعل للكفار سُقُفًا من فضة ومعارج عليها يظهرون ولبيوتهم أبوابًا وسُرُرًا عليها يتكئون وزخرفًا؛ لو جعل لهم ذلك؛ لكفر الناس كلهم، وكانوا أمة واحدة على الكفر.
وقال ﷻ: ﴿وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا ﴿٧٤﴾ إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٧٤ - ٧٥]، وقال ﷻ: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود: ١١٨].
والآيات كثيرة جدًّا في إثبات أن الله ﷻ عَلِمَ ما لم يكن لو كان كيف يكون، ومنها كذلك قوله ﷻ عن الغلام الذي قتله الخضر: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا ﴿٨٠﴾ فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف: ٨٠ - ٨١].
______
(١) كما يقول ابن سينا وأضرابه من الفلاسفة.
