المنة شرح اعتقاد أهل السنة
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 278
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
فقد عَلِمَ الله ﷻ أن الغلام لو كَبُرَ لكفر ولتابعه والداه فأرهقهما طغيانًا وكفرًا، فرحم الله الوالدين، والظاهر أنه رحم الغلام بموته صغيرًا دون البلوغ فمات مسلمًا على الفطرة لأبوين مسلمين، ولو كَبُرَ لكفر ولأرهق والديه طغيانًا وكفرًا، وهذا معنى قول ابن عباس رضي الله عنهما: «وَأَمَّا الغُلَامُ فَطُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كَافِرًا...»(١)، فهو ليس كافرًا في تلك اللحظة، لكن لو كَبُرَ لكان كافرًا، أما وهو صغير فهو على الفطرة لم يبلغ الحنث كما قال موسى عليه السلام، وإنما أنكر عليه الخضر عدم صبره على معرفة الحكمة التي من أجلها شرع الله ﷻ له قتله في تلك الحال.
فالله ﷻ عَلِمَ ما كان وما سيكون، لكن هذا العلم الأول أو العلم السابق على أفعال العباد لا يحاسب الله العباد بناءً عليه؛ فهو لا يحاسبهم إلا على ما وقع منهم من أفعال فعلوها باختيارهم، ولا يعاقبهم على أفعالهم قبل أن تقع منهم، فهو ﷻ قد عَلِمَ أن الكفار سيكفرون، ويقتلون المؤمنين ويحاربون الرسل ومع ذلك لم يُنْزِل بهم العقاب ولا أنزله بقوم قط قبل أن يكفروا وقبل أن يرسل إليهم الرسل، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وما أهلك الله ﷻ أمة وما عذَّب قومًا إلا بعد أن كذَّبوا وبعد أن كفروا وبعد أن ظلموا، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦]، فمتى حق عليها القول؟ لما فسقوا فيها.
فالعلم السابق بأن فلانًا سيعصي أو سيكفر أو سيفسق أو سيظلم، هذا العلم لا يحاسب الله ﷻ أحدًا عليه، ولا يحاسبه أنه لو أعطاه كذا لكفر مثلًا فيعاقبه على ذلك مقدمًا، فلا يحاسبهم على ما لم يَحْدُث.
ولذلك من لم تبلغهم دعوة رسول من الرسل، فالله ﷻ يعلم ماذا كانوا سيعملون لو جاءتهم دعوة الرسل، ومع ذلك يمتحنهم يوم القيامة، فلا يعذبهم بما عَلِمَ أنهم كانوا سيفعلونه لو أتاهم الرسول، وكذلك الصبيان، الله ﷻ أعلم بما كانوا عاملين، وليس معنى ذلك أنه يحاسبهم على علمه بما كانوا سيفعلونه لو كبروا، وإنما الذي نثبته أن الله ﷻ أعلم بما كانوا عاملين، لا أنه سيحاسبهم على ذلك العلم السابق.
______
(١) رواه مسلم (٢٣٨٠).
