شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

المنة شرح اعتقاد أهل السنة

الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 279

نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة

ومن هنا نفهم قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١]؛ لأن بعض الناس قد يظن أن الله لا يعلم حتى يختبرهم، فالله ﷻ كان يعلم من سيجاهد ومن سيصبر ولكن هذا العلم لا يحاسبهم عليه، وإنما فسر أهل العلم قوله: ﴿حَتَّىٰ نَعْلَمَ﴾ أي: علمًا يحاسبهم عليه، ويعلم أنه قد «وقع» بعد علمه أنه «سيقع»، وينتقل من علم الغيب إلى علم الشهادة، فعلم الله سبحانه قبل وجود الشيء ووقوع الحدث علم غيب، وعلمه بعد وقوعه علم شهادة، أما المخلوقون فعلمهم مقصور على ما بعد الوقوع، أما قبل أن يقع فهو ظن وليس علمًا.

وأما علم الله ﷻ فهو علم بالشيء علمًا جازمًا قبل أن يقع وبعده، لكن على أي العلمين يكون الحساب؟ إنه يكون على العلم الذي بعد وقوع الفعل، وهو علم الشهادة.

وقال ﷻ: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٠]، ليعلم ذلك علمًا يحاسبهم عليه، وقد فسر ابن عباس قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ﴾ بـ «وليَرى»(١)، وهذا هو معنى علم الشهادة، فهو ﷻ يعلم الشيء الذي لم يقع قبل وقوعه؛ ولكن قال: ﴿حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ﴾ يعلم الذين آمنوا الذين وقع منهم الإيمان، والذين صبروا الذين وقع منهم الصبر، ويعلم المجاهدين الذين وقع منهم الجهاد بالفعل، ليس لأنه لا يعلمه قبل وقوعه، ولكن لأنه يحاسب العباد على ذلك العلم الذي بعد الوقوع.

## المرتبة الثانية: الإيمان بكتابة المقادير في اللوح المحفوظ:

المرتبة الثانية من مراتب الإيمان بالقدر هي: الإيمان بكتابة المقادير في اللوح المحفوظ، وما يتبعها من كتابات:

قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢]، من قبل أن نبرأها: أي: من قبل أن نخلقها، والضمير في ﴿نَّبْرَأَهَا﴾ إما عائد على الأرض أو النفوس أو المصيبة أو الخليقة كلها، وهو ما دل عليه السياق -كما رجح ابن كثير-.

______

(١) انظر «تفسير ابن كثير».

الصفحة السابقة الصفحة التالية