المنة شرح اعتقاد أهل السنة
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 280
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
أخبر الله عز وجل بوجود القدر السابق، وبكتابة المقادير في كتاب، كما سبق ذكره في آية الأنعام قوله تعالى: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]، وقال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢]، وقال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢١-٢٢]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: ٤]، وهذه الآيات كلها تدل على إثبات أم الكتاب، وقال الله عز وجل: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]، وقال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، أي: ما فرطنا في اللوح المحفوظ من شيء، وإنما سُمِّي محفوظًا لأنه لا محو فيه ولا إثبات، فهو محفوظ عن التبديل والتغيير.
وفي الحديث الصحيح أن عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ رضي الله عنه قَالَ لِابْنِهِ: «يَا بُنَيَّ! إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ طَعْمَ حَقِيقَةِ الإِيمَانِ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ: مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ أَوَّلَ(١) مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، قَالَ: رَبِّ! وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ»، يَا بُنَيَّ! إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ هَذَا فَلَيْسَ مِنِّي» (٢).
وأصح أقوال أهل العلم أن القلم هو أول مخلوق، ومن العلماء من يقول: العرش، ومنهم من يقول الماء، وابن القيم يرجح أنه العرش، لأنه يرجح الرواية الثانية: «أول ما خلق الله القلم...».
______
(١) في الرواية الأخرى لهذا الحديث: «أول ما خلق الله القلم...» الحديث، ضبطت كلمة «أول» بالرفع والنصب، والرفع هو الصحيح، وتفصيل ذلك أن الجملة إذا كانت: «أول ما خلق الله القلم» فإعرابها: «أول» مبتدأ مرفوع بالضمة، وما موصولة في محل جر مضاف إليه، و«خلق الله» فعل وفاعل والجملة صلة الموصول، و«القلم» خبر المبتدأ مرفوع بالضمة، والجملة على هذا النحو اسمية ويكون معناها: أول شيء خلقه الله هو القَلَمُ، أو: القلم أول ما خلق الله من الأشياء.
وعلى الضبط الآخر تكون الجملة هكذا: «أول ما خلق الله القلم؛ قال له اكتب...»؛ وإعرابها: «أول» ظرف زمان منصوب، وهو مضاف إلى الجملة التالية متعلق بالفعل «قال»، و«ما» مصدرية، «خلق الله» فعل وفاعل، «القلم» مفعول به لـ«قال»: فعل ماض تعلق به الظرف «أول»؛ والجملة فعلية ويكون معناها: عندما خلق الله القلم «أولَ ما خلقه» قال له: اكتب، وهذه الرواية الثانية لا تفيد أن القلم أول المخلوقات، وإنما تفيد أنه أمر فورًا بكتابة ما هو كائن إلى يوم القيامة، كقولك: أولّ ما دخل محمد رحبت به وأعطيته درهمًا. والرواية الأولى هي الصحيحة، وهي التي تدل على أن القلم هو أول المخلوقات بداية، أي أول مخلوق والدليل على ذلك رواية ابن أبي عاصم في «السنة»: «إن أول شيء خلقه الله القلم»؛ وهذه الرواية: «إن أول ما خلق الله القلم»؛ ودخول «إن» على هذه الجملة تدل على أن «أول» مبتدأ لا ظرف.
(٢) صحيح: رواه أبو داود (٤٧٠٠)، والترمذي (٢١٥٥)، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٢٠١٧).
