المنة شرح اعتقاد أهل السنة
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 281
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
لكن الصحيح أن الروايات كرواية: «إن أول ما خلق الله القلم» ورواية: «أول شيء خلقه الله القلم» توكدان صحة ما ذكرنا أن القلم هو أول مخلوق، أما عن شكل القلم وكيفيته، فالله عز وجل أعلمُ (١).
وفي «صحيح مسلم» أن النبي ﷺ قال: «كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ»(٢).
وقال النبي ﷺ لابن عباس رضي الله عنهما: «وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ»(٣)، فَذَكَرَ الكتابة له وعليه، وذكر القلم وأنه قد رفع، وأن الصحف قد جفت.
وفي رواية للحديث: «جَفَّ الْقَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ» (٤)، يعني: على اللوح المحفوظ، فهذا اللوح المحفوظ ليس فيه محو ولا إثبات وليس محتملًا للتغيير؛ لأن المكتوب هو علم الله الذي لا يمكن أن يتغير، أما ما كتبه الملائكة فهو محتمل للتغيير، فاللوح المحفوظ كتب الله فيه ما سيكون إلى يوم القيامة وما هو كائن، حتى لو أن كتابًا آخر سيجيء فيه شيء وأُثْبِتَ آخر لكان هذا
______
(١) أما الحديث الذي يذكره الصوفية: «أتدري أول شيء خلقه الله؟ نور نبيك يا جابر» فهو باطل يخالف هذه الأحاديث الصحيحة السابقة، والله ﷻ خلق النبي ﷺ من الطين والماء فقد قال ﷻ: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ﴾ [ص: ٧١]، فالرسول ﷺ من البشر بنص الآية: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف: ١١٠، فصلت: ٦]، والبشر خلق من طين، ومن قال: إن الله خلق الرسول ﷺ من نور وجهه فهو يفتري على الله الكذب، فنور وجه الله صفة من صفات الله ﷻ، فكيف يقال أن الرسول خلق من نور وجهه الذي هو صفة من صفات ربنا؟! فهل الرسول ﷺ صفة من صفات ربنا؟! هذا هو الغلو الذي يؤدي إلى الكفر، وذلك كمن يقول: إن عيسى صفة من صفات الله تعالى، وذلك كفر، وإنما قوله تعالى عن عيسى: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ [الأنبياء: ٩١] أي: الروح المخلوقة التي نسبها الله إلى نفسه؛ كقوله: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [البقرة: ١٢٥]، فهذه إضافة تشريف، ومثله في ذلك آدم: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩]، فهذه روح منسوبة إلى الله تشريفًا وتكريمًا؛ فعيسى عليه السلام كلمة الله بمعنى أنه كان بكلمة من الله خلقه الله بها، وليس عيسى هو «كن» فصفات الله غير مخلوقة؛ وهذا هو الفرق بيننا وبين النصارى في هذا الموضوع؛ أنهم يقولون: عن المسيح أقنوم من الأقانيم؛ مثل صفة من الصفات مثلًا، ولا يريدون أن يقولوا: صفة إنما جعلوا للصفات كيانًا مستقلًا وسموها أقانيم؛ ونحن نقول: عيسى مخلوق من المخلوقات.
(٢) رواه مسلم (٢٦٥٣).
(٣) صحيح: رواه الترمذي (٢٥١٦)، وأحمد (٢٦٦٤، ٢٧٥٨)، وصححه الألباني في تحقيقه لـ: «جامع الترمذي».
(٤) صحيح: رواه الترمذي (٢٦٤٢)، وأحمد (٢٧٧٦١)، وصححه الألباني في تحقيقه لـ: «جامع الترمذي»، ولقد بوب عليه البخاري في «كتاب القدر» من صحيحه فقال: «باب: جف القلم على علم الله...».
