المنة شرح اعتقاد أهل السنة
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 282
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
موجودًا في اللوح المحفوظ أن يُمحى من كتاب فلان كذا وكذا، ويثبت فيه كذا وكذا، ولا محو ولا إثبات في اللوح المحفوظ، رفعت الأقلام وجفت الصحف.
قال ﷺ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ» (١)، وقال تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]، وهو اللوح المحفوظ؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما: «الكتاب كتابان: كتاب يمحو الله منه ما يشاء ويثبت، وعنده أم الكتاب».
ونلاحظ أن رسول الله ﷺ علم ابن عباس رضي الله عنهما أمر الكتابة هذا مقترنًا بأثره العظيم، وهو أن ييأس العبد من الناس رجاءً وخوفًا، فقال: «وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ...»، أي: لو اجتمع الناس كلهم على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، فلماذا ترجوهم، وكيف تظن أنهم يملكون لك نفعًا، وقد كتب الله لك ذلك قبل وجودهم؟! ولماذا تعمل من أجلهم؟! «وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ...»؛ فلماذا تخافهم؟!
والعبد إذا استحضر ذلك فلن يرجو الناس ولن يخافهم ولن يُعجب بنفسه، ولن ينسب الفضل إليها، ولن يقول: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ بل سيؤمن أنه رزق كتبه الله له قبل أن يُوجد السماوات والأرض، وكذلك العمل الصالح؛ مَنَّ الله به عليك، فلا تُعجب بنفسك، ولا تفرح فرح الغرور والكبر بما آتاك الله من دين ودنيا، وكذلك لا تأس أسى اليأس والجزع والسخط على ما فاتك من الدنيا، وذلك لأن الأمر مقدر قبل أن توجد، كما قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: ٢٢-٢٣].
فالاختيال والتكبر والفخر على العباد كل ذلك مرجعه إلى عدم شهود القدر، فلو شهد العبد أن الله كتب ذلك قبل أن يُوجد العباد، وأن العباد أضعف وأعجز من أن يقدروا على شيء إلا على ما أقدرهم الله عليه، وأن الله سبحانه ابتلى العباد بما أعطاهم ومنعهم لينظر كيف يعملون، لا لكي يفتخر بعضهم على بعض، ويبغي بعضهم على بعض.
______
(١) رواه البخاري (٥٠٧٦).
