المنة شرح اعتقاد أهل السنة
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 284
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
فصل
ويتبع هذه الكتابة الأولى ـ وهي: الكتابة في اللوح المحفوظ ـ كتابات وتقديرات أخر:
١- منها: التقدير يوم القبضتين: قال النبي ﷺ: «إنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ آدَمَ، ثُمَّ أَخَذَ الْخَلْقَ مِنْ ظَهْرِهِ، وَقَالَ: هَؤُلَاءِ فِي الْجَنَّةِ وَلَا أُبَالِي، وَهَؤُلَاءِ فِي النَّارِ وَلَا أُبَالِي»، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ! فَعَلَى مَاذَا نَعْمَلُ؟ قَالَ ﷺ: «عَلَى مَوَاقِعِ الْقَدَرِ»(١)، وفي رواية: «أَخَذَ قَبْضَةً بِيَمِينِهِ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ فِي الْجَنَّةِ وَلَا أُبَالِي، وَأَخَذَ قَبْضَةً بِشِمَالِهِ(٢) وَقَالَ: هَؤُلَاءِ فِي النَّارِ وَلَا أُبَالِي».
فلا يبالي الله عَزَّ وَجَلَّ بطاعة الطائعين، ولا معصية العاصين، ولا يزيد في ملكه طاعة طائع، ولا ينقص من ملكه معصية عاص؛ ولو أن أول خلقه وآخرهم وأنسهم وجنهم كانوا على أتقى قلب رجل منهم ما زاد ذلك في ملكه شيئًا؛ لأنه هو الذي قدّر ذلك، وهو الذي جعله كذلك عَزَّ وَجَلَّ(٣).
خرج النبي ﷺ على الصحابة بكتابين في يده، فقال: «أَتَدْرُونَ مَا هَذَانِ الْكِتَابَانِ؟» فقالوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ إِلَّا أَنْ تُخْبِرَنَا، فَقَالَ لِلَّذِي فِي يَدِهِ الْيُمْنَى: «هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرِهِمْ فَلَا يُزَادُ فِيهِمْ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَدًا»، ثُمَّ قَالَ لِلَّذِي فِي شِمَالِهِ: «هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ النَّارِ وَأَسْمَاءُ
______
(1) صحيح: رواه أحمد (١٧٢٠٧)، وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٤٨).
(2) قال بعض العلماء: «إن ذكر الشمال في صفة اليد شاذ»، وهذا القول غير صحيح، والصحيح أنها ثابتة في عدة أحاديث؛ وهي يمين مباركة؛ فهي شمال لكن في القوة والبركة والخير يمين وليست أنقص من اليمين كما هي عند الناس.
(3) روى مسلم في صحيحه (٢٥٧٧) عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا رَوَى عَنْ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنَّهُ قَالَ: «يَا عِبَادِي! إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّماً فَلَا تَظَالَمُوا، يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أُكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي! إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِي! إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضُرِّي فَتَضُرُونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي، يَا عِبَادِي! لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئاً، يَا عِبَادِي! لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئاً، يَا عِبَادِي! لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي! إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْراً فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ».
