شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

المنة شرح اعتقاد أهل السنة

الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 285

نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة

آبَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرِهِمْ فَلَا يُزَادُ فِيهِمْ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَدًا»، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: فَفِيمَ الْعَمَلُ يَا رَسُولَ اللهِ إِنْ كَانَ أَمْرٌ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ؟ فَقَالَ: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، فَإِنَّ صَاحِبَ الْجَنَّةِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ، وَإِنَّ صَاحِبَ النَّارِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ»(١)، وقال ﷺ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ»(٢).

فأمرهم النبي ﷺ بالعمل، وبين أن وجود القدر السابق لا يعني ترك العمل؛ لأن الله عَزَّ وَجَلَّ كتب المقادير بأسبابها فقال: «هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَعْمَلُونَ» وقال: «هَؤُلَاءِ لِلنَّارِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ»(٣)، وليس هذا أمرًا مكتوبًا بلا أسباب، فلذا عليك أن تأخذ بالأسباب؛ لأن الله عَزَّ وَجَلَّ خلق لك قدرة وإرادة يقع بها فعلك، ولكن ذلك لا يعني الخروج عن القدر، وهذه هي المسألة التي حيرت البشرية وجوابها في هذا الحديث الذي لا يتجاوز السطر: أن الناس تعمل، وكل مُيَسَّر لما خلق له، فالإنسان ليس مُسَيَّرًا فقط، ولا مخيرًا فقط؛ لأن كلمة «مُسَيَّر» يعني إنه لا اختيار له كالسّيارة يقودها صاحبها ويوجهها، وكونه مخيرًا يعني: أنه لا سلطان لأحد عليه، فكلا الأمرين باطل.

إنما يُجمع بين الأمرين: فالإنسان له: اختيار ومشيئة، وجعل الله وقَدّرَ له: قدرة، والصواب في التعبير هو ما قاله النبي ﷺ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ»، فلا يلزمنا أحد بإحدى إجابتين كلاهما خطأ، فيقول لك: الإنسان مسير أم مخير؟

وكأنه يقول: هل: ٥ + ٥ = ٩ أم ١١؟

فنقول: كلتا الإجابتين خطأ، والصواب ما قاله النبي ﷺ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ»، فكلمة: «اعْمَلُوا» قالها مع إثبات القدر، فإثبات القدر لا يعني ترك العمل، فقال: «اعْمَلُوا...» فأثبت العمل، «فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ»، فكلمة: «لِمَا خُلِقَ لَهُ» لا تعني أنه: يُدخله بغير عمل.

______

(1) حسن: رواه الترمذي (٢١٤١)، وأحمد (٦٥٢٧)، وحسنه الألباني في «الصحيحة» (٨٤٨).

(2) رواه البخاري (٤٩٤٥، ٤٩٤٦، ٤٩٤٧، ٤٩٤٩، ٦٢١٧، ٦٦٠٥، ٧٥٥٢)، ومسلم (٢٦٤٧).

(3) صحيح: رواه أبو داود (٤٧٠٣)، والترمذي (٣٠٧٥)، وأحمد (٣١٣)، ومالك (١٦٦١)، وصححه الألباني في تحقيقه لـ «سنن أبي داود» وكان قد سبق وضعفه في «الضعيفة» (٣٠٧١) ثم صححه لغيره في «تخريج الطحاوية» (٢٦٦) ثم صححه بعد ذلك لكثرة ما وجد له من شواهد ومتابعات، وهذا من تراجعات العلامة الألباني رَحِمَهُ اللهُ، وكذا صححه لغيره العلامة الأرناؤوط في تحقيقه لـ «مسند الإمام أحمد».

الصفحة السابقة الصفحة التالية