المنة شرح اعتقاد أهل السنة
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 287
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
فأخبر ﷺ بوجود كتابة سابقة والإنسان جنين، حين ينفخ فيه الروح، وفي حديث حذيفة ابن أسيد: «فَصَوَّرَهَا وَخَلَقَ سَمْعَهَا وَبَصَرَهَا وَجِلْدَهَا وَلَحْمَهَا وَعِظَامَهَا...»، وهذه الأعضاء السمع والبصر والعظام تبدأ في التكوين في الأسبوع السابع، بعد أن يُقْدِرَ الله المَلَكَ على تخليقه ويأمره بالكتابة.
أما عند الـ (١٢٠) يومًا يكتمل شكل الإنسان، فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: أجله ورزقه وعمله وشقي أم سعيد.
وثمرة الإيمان بذلك أن العبد لا يخاف الموت لأن أجله مُقَدَّر، ولا يخاف الفقر ولا يطلب الحرام لأن رزقه مكتوب، ولا يُعجب بعمله، لأن عمله مكتوب، والشقاء والسعادة واللذة والألم في الدنيا والآخرة أيضًا مُقَدَّرة، فلا تظن أن الفضل يرجع إليك.
وكذلك من أعظم ما يدل عليه هذا الحديث: عدم الأمن من مكر الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى وعدم اليأس من رحمته، فلابد أن ترجو وتخاف، فمهما عملنا من صالحات فلا نأمن من سوء الخاتمة؛ ولكن الحمد لله أن الأكثر الأعم أن يموت الإنسان على ما عاش عليه، لكن حَدَثَ أن عاش أُناس حياتهم على الالتزام والطاعة حتى كادوا يدخلون الجنة ولم يكن بينهم وبينها إلا ذراع وخُتِمَ لهم بسوء(١).
فلا تُيِّئِس الناس من الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى ولا تنزلهم جنة ولا نارًا، ولا تتكبر على أهل المعاصي لمعاصيهم، فأنت لا تدري بماذا يُختم لهم، فلعل الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى يهديهم، وقد أحبط الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى عمل الذي قال: «وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلَانٍ»، فقال الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى: «مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لَا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ؟ فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلَانٍ وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ»(٢)؛ لأنه تكبر وظن بنفسه ـ لعمله الصالح ـ أن له أن يُنزل الناس الجنة والنار ويُخبر بأن الله يغفر لهم أو لا يغفر لهم؛ فقد غفر الله لهذا العاصي،
______
(1) هؤلاء الناس لم يكونوا مرائين وإلا لم يكن عملهم عمل أهل الجنة، فالرياء من عمل أهل النار، فهم قد عملوا الصالحات بالفعل، ولكن خُتِمَ لهم بسوء الخاتمة، ولذلك قال من قال: «لو كانت إحدى قدميَّ في الجنة؛ والأخرى خارجها ما أمنت مكر الله»، كما هو مروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وإنما يقع سوء الخاتمة مع عملهم بعمل أهل الجنة لشيء يعلمه الله في قلوبهم، وأخطر ذلك العُجْب والكبر، فإبليس كان كالملائكة يعبد الله كواحد منهم؛ وختم له بخاتمة الشقاء العظيم وذلك؛ لأن الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى علم من قلبه الكبر فهو عَزَّ وَجَلَّ أعلم بالشاكرين وأعلم بالظالمين، ولا يظلم الناس شيئًا، ولكن الناس أنفسهم يظلمون؛ والكبر قد يكون مستكنًا في القلب ولا يظهر إلا عند الامتحان.
(2) رواه مسلم (٢٦٢١).
