شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

المنة شرح اعتقاد أهل السنة

الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 289

نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة

وهناك مرتبة أخرى في الكتابة خاصة بكتابة معصية آدم عليه السلام وإهباطه إلى الأرض، قال النبي ﷺ: «احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى عليهما السلام عِنْدَ رَبِّهِمَا، فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى، قَالَ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَأَسْكَنَكَ فِي جَنَّتِهِ، ثُمَّ أَهْبَطْتَ النَّاسَ بِخَطِيئَتِكَ إِلَى الْأَرْضِ، فَقَالَ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلَامِهِ، وَأَعْطَاكَ الْأَلْوَاحَ فِيهَا تِبْيَانَ كُلِّ شَيْءٍ، وَقَرَّبَكَ نَجِيًّا، فَبِكَمْ وَجَدْتَ اللَّهَ كَتَبَ التَّوْرَاةَ قَبْلَ أَنْ أَخْلُقَ؟ قَالَ مُوسَى: بِأَرْبَعِينَ عَامًا، قَالَ آدَمُ: فَهَلْ وَجَدْتَ فِيهَا ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ آدَمُ: أَفَتَلُومُونِي عَلَى أَنْ عَمِلْتُ عَمَلًا كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيَّ أَنْ أَعْمَلَهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى»(١)، فهناك كتابة قبل خلق آدم بأربعين سنة، وهي: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١].

فإن قيل: فكيف يحتج آدم بالقدر على المعصية؟

قلنا: هذه معصية تاب آدم عليه السلام منها فصارت بمنزلة المصيبة، والقدر إنما يحتج به في المصائب دون المعائب(٢).

بخلاف الذنب الذي لم يتب منه العبد؛ لأن عمله مازال موجودًا، ومازال مكلفًا بأن يزيل آثار الذنب، فلا يصح أن يحتج بالقدر وهو مُصِرٌ على الذنب فهذه حال الكفار، وحال إبليس أصلاً الذي يقول وهو يحارب ربه: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦]، فهو يعاند ربه ويصر على الكفر، وعلى إضلال بني آدم وتكفيرهم، والسعي في أن يجعلهم غير شاكرين، وهو يقول: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾، كذلك الكفار الذين يقولون: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وهم مصرون على الإشراك.

فشتان بين حال هؤلاء جميعًا وبين حال آدم عليه السلام الذي كان قد تاب وقُبلت توبته؛ فالذي يقول وهو مُصِرٌ على المعصية: «لو شاء الله أن يهديني لهداني»؛ فهذا إبليسي الطريقة وهذا بخلاف مَنْ يلومه اللائمون على ذنب فعله وتاب إلى الله عز وجل منه، وأصابته على ذلك مصيبة،

______

(١) رواه البخاري (٦٦١٤)، ومسلم (٢٦٥٢).

(٢) المعصية لها شقان: شق متعلق بعمل العبد وشق متعلق بالقدر، فإذا تاب العبد من عمله سقط الشق المتعلق به وبقي الشق المتعلق بالقدر، فصارت المعصية بمنزلة المصيبة التي لا تقع إلا بالقدر المجرد عن عمل العبد كالزلازل والأمراض والموت ونحو ذلك.

الصفحة السابقة الصفحة التالية