المنة شرح اعتقاد أهل السنة
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 294
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
المسلمين ويقتلونهم؟ ويُمكّن الله سبحانه الكفار من قتلهم ويبتلي سبحانه عباده المؤمنين بأن يسلط عليهم في وقت من الأوقات الكفار ليقتلوهم، فيكونوا شهداء عند الله تعالى.
وقال النبي ﷺ في بيان حكمة وقوع الذنوب المكروهة لله سبحانه من عباده: «لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ»(١).
فهنا يظهر آثار الأسماء والصفات: فالله سبحانه يحب أن يغفر سبحانه، فكيف يغفر لمن لم يُوجَد منه ذنب؟! وإنما الأمر مرتبط بوجود الذنوب، وهذا يُقاس عليه كل ما تراه، فظهور آثار الرحمة، وظهور آثار شدة العقاب، وظهور آثار العزة، وظهور أنه ذو انتقام سبحانه، وإنما ينتقم من المجرمين، ولا ينتقم من المؤمنين الذين أطاعوه سبحانه، وهذا بعض من معاني حكمته سبحانه؛ وهي كثيرة جدًا في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ؛ فيكثر بيان أنواع من الحِكَم الكونية، كما يكثر بيان أنواع من الحِكَم الشرعية، ولكن لا يحيط علمًا بحكمته سبحانه إلا هو.
(ب) إرادة شرعية:
أي: ما يأمر الله به من الطاعات وما ينهى عنه من المعاصي، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٧]، وهذه الإرادة تشمل كل ما يحبه الله ويرضاه فقط، سواء أُوجِدَ أم لم يوجد، فقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ هذه إرادة شرعية؛ وليست من جنس ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، لأنه لو كان من جنس ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ لكان الناس كلهم: مؤمنهم، وكافرهم، وطائعهم وعاصيهم؛ تائبين في كل لحظة من اللحظات، لكن قوله: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ هذه الإرادة ليست إرادة كونية، وإنما هي: إرادة شرعية؛ فمن الناس من يتوب، ومنهم من لا يتوب، والله يريد التوبة من الجميع -شرعًا- ولا يريدها -كونًا- إلا من بعضهم، فالتوبة التي حدثت من بعضهم متعلقة بإرادة الله الكونية، التي هي متعلقة بكل ما يوجد مما يحبه وما لا يحبه، والتوبة عمل يحبه سبحانه.
فإرادة التوبة إرادة شرعية؛ قد يحدث بعضها أو كلها، فمن المؤمنين العصاة: من يتوب،
______
(1) رواه مسلم (٢٧٤٩).
