المنة شرح اعتقاد أهل السنة
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 295
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
ومنهم: من لا يتوب، فهذه الإرادة الشرعية تشمل كل ما يحبه الله ويرضاه من الجميع، من المؤمنين ومن الكافرين، ولكن لماذا لم يجعلها الله سبحانه -بإرادته الكونية- توجد من الكافرين؟ ذلك لوجود حكمة ومصلحة في عدم وجودها، فهناك شيء يُحبه الله فلماذا لا يخلقه؟! ولماذا لم يرد وجوده كونًا مع أنه يحبه؟
الجواب: أن في غياب ذلك حكمة ومصلحة يترتب عليها محبوب آخر لله يحبه أكثر من المحبوب الذي لم يحدث.
مثال لذلك:
لماذا لم يجعل الله سبحانه الكفار يتوبون قبل أن يقاتلوا المسلمين ويقتلوهم؟
لأن وجود الشهداء ووجود الجهاد أحب إلى الله تعالى، وهؤلاء الكفار لو تابوا قبل أن يقاتلوا المسلمين لما وُجد جهاد، ولما استشهد شهداء، ولم يُمَحَّص المؤمنون، وهذه عبادات لا توجد إلا بوجود ما يضادها ويُقاومها؛ بخلاف عبادة الملائكة التي تحدث من غير مقاومة، فلا أحد يحاربهم في التزامهم، ولا في طاعتهم لله سبحانه، والله سبحانه يحب وجود عبادات من عباده المؤمنين تحدث رغم وجود شياطين وكفار ومنافقين، فهو سبحانه يحب أشياء ولم يُوجدها؛ لأن هناك أشياء هي الأحب إليه سبحانه يترتب وجودها على فوات المحبوبات الأقل أو حدوث ما يكرهه شرعًا.
فنقول: إرادة الله الكونية: تشمل كل ما قدّر الله وقوعه في الكون؛ وهو لابد أن يقع حتمًا، وهذا منه ما يحبه الله ومنه ما لا يحبه، ولكن قدّر وجوده لمصلحة وحكمة بالغة.
وإرادة الله الشرعية: تشمل كل ما شرعه الله لعباده في الشرع؛ وكله من جنس ما يحبه الله ويرضاه، وهذا منه ما يقع، ومنه ما لا يقع، وقَدَّر الله ألا يقع لمصلحة وحكمة بالغة.
والحساب والثواب، والمدح والذم، والحب والبغض، ودخول الجنة ودخول النار، كل ذلك بناء على هذه الإرادة الشرعية؛ على موافقتها أو مخالفتها(١).
فيُقال لأهل الجنة: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢]، ويُقال لأهل النار:
______
(1) ولا شك أنه بناء على إرادة كونية أيضا، وإنما نقصد ما يحاسب عليه العباد.
