شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

المنة شرح اعتقاد أهل السنة

الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 297

نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة

العبد، ولذلك قال إبراهيم عليه السلام: ﴿ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَوةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ ﴾ [إبراهيم: ٤٠]، فقد سأل الله فعل نفسه هو؛ لأن الله هو الذي «يجعل»، فهو يسأل الله عز وجل أن «يفعل» به ذلك.

والدليل على أن الله عز وجل خلق أفعال العباد قوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [الصافات: ٩٦]، وهذه الآية لها تفسيران كلاهما دال على خلق أفعال العباد:

١- التفسير الأول: أن ﴿ مَا ﴾ مصدرية، يكون منها ومن الفعل المضارع التالي لها مصدر، ويكون تفسيرها: والله خلقكم وعملكم(١)، وعلى هذا التفسير تكون الآية نصًّا في خلق أفعال العباد، وفي الحديث الحسن المرفوع: «إِنَّ اللَّهَ يَصْنَعُ كُلَّ صَانِعٍ وَصَنْعَتَهُ»(٢).

٢- التفسير الثاني: أن ﴿ مَا ﴾ موصولة -أي: اسم موصول-، ويكون تفسيرها، والله خلقكم والذي تعملونه، وهو الأصنام، فإبراهيم عليه السلام يقول لهم: والله خلقكم وخلق الأصنام التي تعملون.

فتكون الآية -على هذا التفسير الثاني- دالة على خلق أفعال العباد من جهة أن الصنم الذي كانوا يعبدونه لم يكن مجرد حجارة فقط بل هو مكون من شيئين، حجارة «مادة خام»، وعمل بشري «النحت»، وإبراهيم عليه السلام قال: ﴿ وَمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [الصافات: ٩٦] أي: الذي تعملون، فهذا الشيء كله مخلوق لله مصنوع لله المادة الخام «الحجارة»، والعمل البشري «النحت»(٣).

وقال تعالى: ﴿ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ [الرعد: ١٦، الزمر: ٦٢]، فـ ﴿ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ شملت أفعال العباد، وقدرة العباد، وهذا في الحقيقة ظاهرٌ جدًّا؛ لأن الإنسان نفسه كان معدومًا، ولم يوجد

______

(1) ما المصدرية والفعل بعدها يتكون من مجموعهما مصدر، يحل محلهما في الإعراب، ومثل «ما» المصدرية في هذا الأمر «أن» المصدرية، فقوله تعالى: ﴿ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ [البقرة: ١٨٤] أي: وصيامكم خير لكم؛ ومثل: ﴿ وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا ﴾ [الشمس: ٥] أي: والسماء وبنائها، ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ﴾ [الشمس: ٧] أي: ونفس وتسويتها.

(2) صحيح: رواه البخاري في «خلق أفعال العباد» (ص: ٧٣)، وابن أبي عاصم في «السنة» (٣٥٧، ٣٥٨)، وصححه الألباني في «الصحيحة» (١٦٣٧).

(3) فمنبر المسجد مثلًا عبارة عن خشب بالإضافة إلى صنعة النجار، والبناء الشامخ مكون من طوب وحديد وأسمنت، ولكن لفائف الحديد وصفوف الطوب وأكوام الأسمنت لا تسمى بناية فلابد من عمل البنائين فعندما نقول: الله سبحانه خلق هذه البناية الشامخة؛ دخل في ذلك عمل العمال بالإضافة إلى مادة البناء، فدلالة التفسير الثاني دلالة ظاهرة، والتفسير الأول نص على خلق أفعال العباد.

الصفحة السابقة الصفحة التالية