المنة شرح اعتقاد أهل السنة
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 298
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
نفسه، ولا أوجد لنفسه القدرة، ولا أوجد لنفسه الإرادة، فهذه الأشياء مخلوقة قطعًا، وليس الإنسان خالقها قطعًا، فالله عز وجل هو خالقها(١).
هذه المرتبة الرابعة كما قلنا تسمى «خلق أفعال العباد»، ولفظ الخلق يشمل عموم كل شيء، لكن الأفعال الواردة في القرآن غالبًا وردت بلفظ: «جعل»؛ قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا ﴾ [الأنعام: ١٢٣]، والمجرمون ليسوا ذواتًا فقط، وإنما المجرم: ذات، وفعل -وهو الإجرام-، والله خلق ذواتهم وجعلهم مجرمين، وهذا الإجرام فعلهم هم، ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ وجعلهم الله عز وجل مجرمين بحكمته البالغة ليظهر حكمته البالغة، وأن الذين كثيرًا ما أجرموا وكثيرًا ما مكروا سيظهر لهم في النهاية أن مكرهم كان بأنفسهم، وتظهر قدرة الله العظيمة وإرادته النافذة؛ فهم أجرموا كل هذا الإجرام ومكروا كل هذا المكر، وفي الحقيقة أن الله عز وجل إنما جعلهم يمكرون بأنفسهم وما يشعرون.
وقال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ ﴾ [الأنعام: ١١٢]، سبحان الله !! الله الذي جعلهم أعداء الأنبياء، هو الذي جعلهم؛ حتى لا تظن أن العداوة من عندهم خُلِقَت، ولا أن الشيطان هو الذي يحرك الأمور ولا المسيطر على العالم؛ بل الله عز وجل الذي قدّر أن هؤلاء يعادون الرسل وأولياء الله عز وجل والله يقول: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا ﴾ فعندما تزداد العداوة هل تلجأ لهم وتخضع لهم، أو تظن أن الأمور بأيديهم، أم تلجأ إلى الله عز وجل الذي خلق وجعل؟! ويصير هؤلاء عندك تحت الأقدام فلا تجعلهم فوق الرؤوس أبدًا، ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾.
______
(١) والذي يثبت أيضًا أنها مخلوقة لله أن الطفل لا يكون قادرًا على الكلام، ولا الفهم ولا على الإمساك بشيء؛ ثم تتكون القدرة، تدريجيًّا على هذه الأشياء، وتنمو لديه الأفعال الإرادية، كحب التملك واختيار أنواع الطعام وحب اللعب ثم بعد مدة يريد الشهوة، ثم يختار الخير والشر، وتزداد قدراته بالتدريج، وكونها توجد بالتدريج فهذا قطعًا دليل على أنها مخلوقة ولم يوجدها لنفسه وإلا لأعطى الناس لأنفسهم أعلى درجات القدرة وأعلى الإمكانيات، والقدرة والإرادة يولد من مجموعها الفعل، فالفعل قطعًا مخلوق أيضًا، إذن: فالإنسان مخلوق بقدرته وإرادته لله عز وجل قدرته وإرادته تحت قدرة الله ومشيئته؛ فأفعاله المتولدة منه ومن قدرته وإرادته لابد أن تكون مخلوقة لله عز وجل.
