المنة شرح اعتقاد أهل السنة
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 300
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
أعلم حيث يجعل رسالته، قال: ﴿ وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا ﴾ [الأنعام: ٥٣]، فرد عليهم: ﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ﴾ [الأنعام: ٥٣]، فالله عز وجل أعلم بالشاكرين، ووضع كل شيء في موضعه، فمن يقترح المساواة فهو ضال شديد الضلال، فالمساواة إنما تكون بين الأشياء المتماثلة، وإن وُجد قدر من التفاضل فيها أيضًا.
قال النبي ﷺ: «مَا مِنْ قَلْبٍ إِلَّا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ إِنْ شَاءَ أَقَامَهُ وَإِنْ شَاءَ أَزَاغَهُ»(1)، وقال ﷺ: «يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»(2).
فصل: وللعباد قدرة ومشيئة
في هذه المرتبة الرابعة من مراتب الإيمان بالقدر، لابد أن نثبت قدرة العباد ومشيئتهم التي خلقها الله لهم وبها تقع أفعالهم، وذلك حتى لا يظن أحد أن إثبات خلق الله لأفعال العباد وقدرتهم ومشيئتهم يعني الإلغاء لقدرتهم ومشيئتهم، فكما أثبتنا نوعي الإرادة الشرعية والكونية وأثبتنا مشيئة الله تعالى، لابد أن نثبت في مرتبة خلق أفعال العباد قدرة العباد ومشيئتهم، فللعباد قدرة ومشيئة بها تقع أفعالهم، وكلمة «بها» مهمة جدًّا، والدليل عليها قوله تعالى: ﴿ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [فصلت: ٤٠]، فأثبت الله مشيئة العباد، وأثبت أن عملهم مبني على هذه المشيئة وقال: ﴿ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ﴾ و﴿ مَا ﴾ موصولة مفعول به لـ ﴿ اعْمَلُوا ﴾، فالعبد يفعل الفعل بمشيئته، أي: اعملوا بمشيئتكم، فهذه المشيئة أثرت في عمله، والله خالقهم وخالق مشيئتهم، وهم لا يشاؤون إلا أن يشاء الله.
وهو خالق قدرتهم، وخلقُ أفعال العباد ومشيئتهم -كما ذكرنا- لا يعني إلغاء هذه المشيئة، فقوله: ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أنْ يَشَاءَ اللَّهُ ﴾ [الإنسان: ٣٠]، و﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾ [التكوير: ٢٩]، لا يعني أنه لا مشيئة للعبد، وإنما يُثبت أن للعبد مشيئة ولكنها تحت مشيئة الله، وفي الوقت نفسه كونها لها أثر، لا يعني أنها مستقلة بالأثر، كما لا يعني أنها ملغاة، فهي موجودة مخلوقة، ومشيئة الله عز وجل تنفذ فيهم من خلال ما يفعلون بأنفسهم.
______
(1) رواه مسلم (٢٦٥٤)، وهذا لفظ ابن ماجه (١٩٩).
(2) صحيح: رواه الترمذي (٢١٤٠)، وابن ماجه (٣٨٣٤)، وأحمد (١١٦٩٧) وصححه الألباني.
