المنة شرح اعتقاد أهل السنة
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 302
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
الدم في العروق والسرقة، ويستوي دق القلب وقتل معصوم الدم، والزنى مثل الولادة، والصلاة والصوم مثل الأفعال اللاإرادية.
وهؤلاء يردُّ عليهم العقل بعد الشرع، قال تعالى: ﴿ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ﴾ [فصلت: ٤٠]، وقال: ﴿ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ﴾ [التكوير: ٢٨]، وكل أفعال العباد نسبت إليهم، وهؤلاء في الحقيقة معاندون، ولو كان كلامهم صحيحًا لَمَا أكلوا ولا شربوا ولا اكتسبوا مكاسب الدنيا، فهم لابد أن يمدوا أيديهم بالطعام لأفواههم الجائعة، ولم يقولوا لم يُرد الله أن نأكل فلن نأكل، ويتناولوا الماء بأيديهم ليشربوا، ولو طبقوا مذهبهم فعليًا على أفعال الدنيا وعلى معيشتهم لماتوا.
وهناك صنف من الجبرية المستترين وهم الأشاعرة يقولون إن للإنسان قدرة ومشيئة؛ ولكن لا يقع «بهما» الفعل، بل يقع «معهما»، أي: يقترن وجود الفعل مع القدرة والمشيئة من غير أثر - للقدرة والمشيئة - في الفعل.
ولا يمثلون -كما قلنا- بالأب والأم والولد، ولكن يصلح مثالًا لقولهم التمثيل بالأخ وأخيه، فالقدرة والمشيئة والفعل الإنساني مثل ثلاثة أخوة، وُجدوا في أسرة واحدة من غير أن يكون لأي واحد منهم أثر في وجود الآخرين، فتكون القدرة والإرادة بلا أثر، فالفعل -عندهم- يُخْلَقُ «مع» القدرة والإرادة بلا أثر منهما عليه؛ وهما في الحقيقة -على هذا القول- لا معنى لهما ولا قيمة، ولا يمكن أن تُسمى مشيئة؛ وهم أي -الأشاعرة- مبالغون في نفي الأسباب، فيقولون: إن الله يخلق القطع «عند» مرور السكين، فالسكين يمر في الهواء والقطع يحصل أثناء المرور، وليست السكين هي التي تقطع؛ أما أهل السنة فيقولون: الله يخلق القطع بالسكين.
والأشاعرة يقولون: قتله الله عند مرور السكين على رقبته أو عند رميه بالسهم، وأهل السنة يقولون: قتله الله عز وجل بالسكين أو بالسهم، والأشاعرة يقولون: الله عز وجل يخلق الإحراق عند وجود النار، وليست النار هي التي تحرق، وأهل السنة يقولون: الله يخلق الإحراق بالنار، فالنار تحرق لأن الله عز وجل جعلها تحرق، ولذلك -ففي الحقيقة- مذهبهم مثل مذهب الجبرية؛ ولكن الفرق أنهم أثبتوا -قدرة ومشيئة- حيث نفاها الجبرية، ولكن من غير أثر، فلذلك يقول العلماء: من المحالات(1) العقلية كسب الأشعري.
______
(1) إذ إن هذا يستحيل فهمه عقلًا وتقبّله فهو من المحال، وهو كذلك مخالف للشرع كما بينا.
