المنة شرح اعتقاد أهل السنة
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 305
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
فهو ﷻ وضع الأشياء في مواضعها، وما ظلمهم ﷻ، وقد تفضل على البعض، وعَدَلَ مع الجميع، ما ظَلَمَ أحدًا بل عمهم بهدايته، وهي هداية البيان، وهي درجة من درجات الهداية (١).
◆ فالجبر طعن في التشريع، ونفي مشيئة الله ﷻ طعن في التوحيد؛ قال ﷺ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» (٢)، فالجبر طعن في التشريع؛ لأنه إلغاء لمسؤولية الإنسان وإلغاء لعمله وأثره، فليس هناك معنى -على هذا القول- لأن يؤمر الإنسان وينهى وتُشرع له التشريعات، فهذا طعن في التشريع.
ونفي مشيئة الله طعن في التوحيد لأن معناه نفي ربوبية الله ﷻ.
والأخذ بالأسباب واجب، والاعتقاد فيها شرك، أي أن يعتقد الإنسان أن الأسباب مستقلة في الإيجاد -وهي عقيدة المعتزلة- أي أن هذا السبب هو كل شيء، كمن يعتقد أن وظيفته هي التي تجلب له المال فيصير عبدًا للوظيفة؛ فلا يقدر أن يستغني عنها، ويُتَصَوَّر أنه سيموت جوعًا بدونها، فلابد أن تعتقد أنها مجرد سبب، وأن الله ﷻ هو الذي يَرْزُقُكَ، ولو ذهبت هذه الأسباب فسيرزقك الله غيرها بفضله ﷻ، وتتوكل على الله لا على السبب، فالتوكل على الأسباب شرك، والأخذ بها واجب؛ قال النبي ﷺ: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ» (٣).
والعبد فاعل ومنفعل، فاعل أي له قدرة ومشيئة بها يفعل فعله، ومنفعل أي أن الله يفعل ويخلق فيه ما أراد، وهذا في كل عمل اختياري للإنسان (٤)، والناس في هذا -كما مضى- مذاهب:
______
(1) وليست هذه كل الهداية، فقد قال تعالى: ﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ ﴾ [فصلت: ١٧]، ولو كانت هذه الهداية مثل التي في قوله سبحانه: ﴿ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ﴾ [الأنعام: ١٢٥]، لكان صدرهم انشرح للإسلام، لكنها هداية غير تلك الهداية، فهداية ثمود كانت هداية بيان، أما ﴿ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [الأنعام: ٣٩]، فهي هداية توفيق وإسعاد، فالله بيَّن للجميع، ولو أراد أن يهدي الجميع لهداهم، دعا عباده إلى دار السلام فعمهم بالدعوة حجة منه عليهم وعدلًا، واختص بالهداية والتوفيق من شاء منة ونعمة وفضلًا، فهذا عدله وحكمته وهو العليم الحكيم، وذلك فضله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، وقال ﷻ للنبي ﷺ: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ [القصص: ٥٦]، أي من يشاء الله أن يهديه.
(2) متفق عليه، وقد سبق تخريجه (ص: ٢٧٧).
(3) رواه مسلم (٢٦٦٤).
(4) فإن الأفعال الاضطرارية في الحقيقة ليس للعبد فيها قدرة ولا إرادة، فهو وإن سمي فاعلًا لغة فهو فاعل مجازًا أو في الحقيقة أنه منفعل، كقولنا: مات الرجل، وإنما هو أُميت؟ وكقولنا: ولدت المرأة وإنما جاءها المخاض فخرج الولد رغماً عنها ولا تستطيع أن توقف المخاض، ومثل دق القلب، فهذا في الحقيقة انفعال وقع بفعل ربنا الذي جعله يقع كذلك.
