شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

المنة شرح اعتقاد أهل السنة

الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 307

نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة

لكن الله لم يرد أن يجعلهم كذلك؛ لأنه ﷻ لا يُهلك أحدًا إلا بذنبه، ولا يُعَذِّب أحدًا إلا بعدله ﷻ، لكنه يتفضل على من يشاء، فقد عمهم بالرسالة عدلًا ﴿ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ ﴾ [يونس: ٢٥]، وخصَّ بالهداية من يشاء فضلًا، قال: ﴿ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [يونس: ٢٥]، فدعا الكل: المؤمن والكافر، واختص بالهداية من شاء فضلًا منه ﷻ والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿ وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ ﴾ [القصص: ٥٩]، فلم يهلكهم إلا وهم ظالمون، ولو أراد أن يهلك أحدًا لجعله يظلم فيُهلكه: ﴿ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ﴾ [الإسراء: ١٦]، ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: ٤٠]، ومن أسمائه ﷻ الحكم العدل، فمن مقتضيات ذلك أنه لا يظلم أبدًا، ومن اتهمه بالظلم فهو كافر.

فالعقيدة الجبرية التي تقول: إن الله يظلم الناس ويعذبهم على فعله هو -من غير جريرة منه- مآلها إلى الكفر.

والقدر يُحتج به في المصائب لا في الذنوب والمعائب:

فَيُحتج به في المصائب التي لا قدرة للإنسان فيها ولا اختيار، ولا يُحتج به على الذنوب؛ لأن الذي يحتج به في الذنوب يلغي مسؤولية نفسه، فاحتجاجه بالقدر ساعتئذٍ كلمة حق أريد بها باطل، بخلاف الذي صدمته سيارة فقال: قدر الله وما شاء فعل.

لكن ورد احتجاجٌ بالقدر في موضع نحب أن نوضحه فنقول: إن الذنب بعد التوبة منه بمنزلة المصيبة؛ إذ لا طاقة للعبد برده بعد وقوعه إلا بالتوبة وقد فعلها ولا يستطيع أكثر من ذلك؛ لأنه لا يستطيع أن يعيد أمس أو الوقت الذي حدثت فيه المعصية ليتجنب وقوعها، وإنما يستطيع أن يمحو آثارها بأن يتوب إلى الله ويستغفره ويندم، ويتغير فيما يستقبل من عمره، فلو فعل ذلك فهذه توبة نصوح.

لأنه أسقط بتوبته الشِّق المتعلق بكسبه وعمله من المعصية، وبقي شق القدر الذي لا يستطيع تغييره، فصار الذنب والمعصية بعد التوبة كأنهما بقدرٍ محض مجرد عن قدرة العبد شأن المصائب والكوارث المجردة عن عمل البشر وكسبهم، ولو لامه أحد على ما كسبت يداه بالأمس يقول له: إني تبت إلى الله، وقد قدره الله علي، فأسأل الله أن يغفر لي.

الصفحة السابقة الصفحة التالية