شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

المنة شرح اعتقاد أهل السنة

الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 308

نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة

ولو علم أن التوبة قُبلت، وأنها توبة نصوح، فاحتجاجه بالقدر حينئذ احتجاج صحيح، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ عِنْدَ رَبِّهِمَا فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى، قَالَ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَأَسْكَنَكَ فِي جَنَّتِهِ، ثُمَّ أَهْبَطْتَ النَّاسَ بِخَطِيئَتِكَ إِلَى الْأَرْضِ، فَقَالَ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَاتِهِ وَبِكَلَامِهِ، وَأَعْطَاكَ الْأَلْوَاحَ فِيهَا تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ، وَقَرَّبَكَ نَجِيًّا، فَبِكَمْ وَجَدْتَ اللَّهَ كَتَبَ التَّوْرَاةَ قَبْلَ أَنْ أَخْلَقَ؟ قَالَ مُوسَى: بِأَرْبَعِينَ عَامًا، قَالَ آدَمُ: فَهَلْ وَجَدْتَ فِيهَا وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَفَتَلُومُنِي عَلَى أَنْ عَمِلْتُ عَمَلًا كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيَّ أَنْ أَعْمَلَهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟»، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى»(١). أي: غلب آدم موسى عليه السلام بالحجة.

فموسى عليه السلام لامه -كما تدل الروايات- على أمرين:

١- على أن عصى.

٢- وعلى المصيبة التي سببتها المعصية وهي: الإخراج من الجنة.

وقوله: «أَهْبَطْتَ النَّاسَ بِخَطِيئَتِكَ إِلَى الْأَرْضِ» معناها: مصيبة تسبب هو فيها، وإلا فموسى عليه السلام لن يلومه على مصيبة مجردة كما يقول شيخ الإسلام: إن لومه كان على المصيبة؛ ولذلك كان موسى عليه السلام محجوبًا. فكلامه هذا فيه نظر لأن موسى عليه السلام لم يكن يلومه على المصيبة وحدها مجردة قطعًا، وإنما على مصيبة تسبب لآدم فيها، وإلا فنص الحديث يقول: «أَفَتَلُومُنِي عَلَى أَنْ عَمِلْتُ عَمَلًا كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيَّ»، فموسى عليه السلام كان يلومه على المعصية قطعًا، وآدم عليه السلام احتج بالقدر على المعصية؛ لكن ذلك الاحتجاج كان بعد أن تاب، ومات هو وموسى، واحتجا عند ربهما، وقد كان الله قد قَبِلَ -من قبلُ- توبة آدم.

فنقول: يحتج بالقدر في المصائب، والذنب بعد التوبة بمنزلة المصيبة، وموسى قد لامه على الذنب والمصيبة معًا، والذنب قد تاب منه، والمصيبة لا قدرة له عليها فصح احتجاجه بالقدر.

أما من يحتج بالقدر قبل التوبة ويرفض التزام الشرع، فاحتجاجه كلمة حق يراد بها

______

(١) متفق عليه، وقد سبق تخريجه (ص: ٢٨١).

الصفحة السابقة الصفحة التالية