شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

المنة شرح اعتقاد أهل السنة

الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 310

نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة

ذلك، وجاءت السنة بأعظم بيان، فكيف يقول قائل: لا نخوض في القدر ويقصد ألا نذكره، ولا نبينه للناس، ولا نذكر إلا اسم القضاء والقدر؟ ليس هذا هو الخوض، وإنما الخوض معناه أن يخوض المتكلم بالباطل بلا علم، أما أن نقول: قال الله تعالى.... وقال رسوله ﷺ في بيان المراتب الأربعة وبيان مشيئة العبد ومشيئة الرب، وبيان الآيات بيانًا واضحًا فهذا واجب يجب أن نعلمه، وليس هذا هو الخوض المنهي عنه.

وآخر ما نختتم به هذا الباب: أن الله سبحانه: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، وهذه الآية سبب الراحة العظيمة لكل مؤمن إذا وسوست له نفسه، أو وسوس له الشيطان بقوله: لماذا قَسَّمَ الله الناس فريقين؟ ولماذا أراد ذلك؟

لابد أن تؤمن أن ذلك لحكمة وعلم، وإن غابت عنك الحكمة فسلِّم لله سبحانه العليم الحكيم.

بخلاف الأبالسة الذين طعنوا في حكمة الله وقالوا: كان ينبغي كذا وكذا، ويقترح على الله، مثل إبليس الذي قال: ﴿لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ﴾ [الحجر:٣٣]، و﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف:١٢]؛ فالمؤمن يُفَوِّضُ الأمر لله ولا يقول بلسانه فقط عن ربه سبحانه: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ وحال قلبه الاعتراض الذي عَجَزَ لسانه عن إخراجه بقوله: «وماذا يمكنني أن أفعل، لابد أن أقول: الله لا يسأل عما يفعل» وهو يريد أن يقول: «أنا مظلوم لكن لا أستطيع أن أتكلم» مثل الزنديق الذي يقول:

يد بخمس مئين عسجد وديت... ما بالها قطعت في ربع دينار

تناقض ما لنا إلا السكوت له... نعوذ بالله مولانا من النار

يقول: هذه اليد إذا قُطعت عدوانًا فإن ديتها التي تُدفع فيها خمسمائة دينار من ذهب -عسجد-، وذلك لأن دية اليد نصف دية الإنسان، فكيف تُقطع هي نفسها إذا سرقت ربع دينار -وهو نِصَاب السرقة-؟ فيقول: «تناقض ما لنا إلا السكوت له»؛ فهو يتهم الشرع بالتناقض؛ لكنه ماذا عساه يستطيع أن يفعل؟ فلا يملك إلا السكوت، سكوت اللسان مع أنه لم يسكت حقيقة؛ وطعن في الشريعة، ثم دفعه الخجل إلى أن يقول: «نعوذ بالله مولانا من النار»، فهذا يطعن في الشريعة.

الصفحة السابقة الصفحة التالية