شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

المنة شرح اعتقاد أهل السنة

الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 43

نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة

بمعنى «على» أو «فوق»، كما قال سبحانه: ﴿فَسِيحُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَرۡبَعَةَ أَشۡهُرٖ﴾ [التوبة: ٢]، فهل الأمر كان أن يسيروا داخل الأرض، بل ﴿فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾: أي فوق الأرض، وقال تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمۡ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخۡلِ﴾ [طه: ٧١]، فهل صلبهم داخل النخل؟ بل على ﴿جُذُوعِ ٱلنَّخۡلِ﴾.

الغرض المقصود أن الرسول ﷺ لم يقل بهذه التأويلات ولم يقل بها الصحابة ولا التابعون، ولا تابعو التابعين، وإنما ظهر ذلك فيما بعد، في أهل البدع والضلال.

لذلك نقول: إن طريقة السلف هي الأعلم والأحكم، وعند التأمل نجد هذه الشبهات العقلية عند أهل البدع شبهات باطلة، نتيجة جهلهم العظيم بالأحاديث النبوية الصحيحة، وجهلهم بتفسيرات السلف ﭫ، وجهلهم باللغة العربية، فعندما يقولون: «استوى بمعنى استولى» هل هذا يوافق اللغة العربية؟! لا، فهذا الكلام باطل لغةً، لا يُستعمل الفعل استوى بمعنى استولى^(1)، كما أن الفعل استولى يقتضي وجود منازعة، فقولهم في: ﴿ٱلرَّحۡمَٰنُ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ ٱسۡتَوَىٰ ٥﴾ [طه: ٥] بمعنى: استولى، معناه أنه كان هناك أحد ينازع الله ﷻ، ولم يكن العرش في ملك الله، ثم استولى الرحمن عليه، خاصةً أنه ﷻ قال: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]، ومعروف أن العرش مخلوق قبل خلق السموات، فهل كان أحد يملكه قبل خلق السموات والأرض ثم استولى الله ﷻ عليه؟!! نعوذ بالله تعالى من القول بذلك.

إذًا فماذا نقول في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ﴾؟ نقول: إن الاستواء صفة فعل، فبعد خلق السموات والأرض استوى الرب ﷻ على العرش، هذا لأن العرش عظيم وكريم، فكَرَّمَه الله ﷻ بأن خصه بالاستواء عليه، وهو معنى الارتفاع والصعود والعلو، ولذلك قال مجاهد: «علا على العرش»، ولم يزل ﷻ هو العلي العظيم ﷻ ولكن خصَّ العرش بفعل هو فعل الاستواء، كما يليق بجلاله ﷻ، والاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، كما قال الإمام مالك رَحِمَهُ اللهُ.

______

(1) فقد أنكر ذلك أهل اللغة، والبيت الذي احتجوا به للأخطل النصراني:

قد استوى بشرٌ على العراق... من غيـر سيف أو دم مهـراق

قائله ليس بحجة في العربية، وراجع في ذلك كتاب «الصواعق المرسلة» لابن القيم، و«معارج القبول» لحافظ حكمي، و«أضواء البيان» للشنقيطي.

الصفحة السابقة الصفحة التالية