شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

المنة شرح اعتقاد أهل السنة

الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 44

نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة

التأويل

عندما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رَحِمَهُ اللهُ عبارته: «نؤمن بكل ما وصف الله به نفسه، ووصفه به رسوله ﷺ، من غير تعطيل ولا تحريف ولا تكييف ولا تمثيل»، لماذا لم يقل: «من غير تأويل»، بدلًا من قوله: «من غير تحريف»؟! ولماذا اختار لفظ التحريف؟!

لأن هذا اللفظ -التحريف- هو الذي ورد ذمه في القرآن كما في قوله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ﴾ [المائدة: ١٣]، وهذا فعل أهل الكتاب، وهو أقرب، بخلاف التأويل أو الذي سموه تأويلًا؛ لأنه يُستعمل لغةً وشرعًا بمعنى التفسير.

فالتفسير يسمى أحيانًا التأويل، كما يقال: «القول في تأويل قوله تعالى كذا»، وفي بعض الروايات أن النبي ﷺ قال لابن عباس ﭫ: «اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ»^(1)، فالتأويل في هذا الحديث هو التفسير، فالرسول ﷺ يدعو لابن عباس أن يعلمه الله تفسير القرآن.

فالخلف سموا ما فعلوه تأويلًا، لكي يقتربوا من الألفاظ الشرعية، لكن ما فعلوه ليس بتأويل شرعي، بل هو تأويل مذموم، ولذلك أسماه شيخ الإسلام «تحريفًا».

والتأويل أيضًا له معنى آخر مذكور في قوله تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۡهُ ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمۡ زَيۡغٞ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَآءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَآءَ تَأۡوِيلِهِۦۖ وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُۗ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٧﴾ [آل عمران: ٧]، وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُۗ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَاۗ﴾ قراءتان:

القراءة الأولى المشهورة: هي الوقف على لفظ الجلالة: ﴿وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُۗ﴾ ثم نبدأ ﴿وَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَاۗ﴾.

«التأويل» هنا لا يصح أن يكون بمعنى التفسير؛ لأن مفهوم ذلك حينئذ أن الراسخين

______

(1) صحيح: رواه أحمد (3033)، وصححه الألباني في «شرح العقيدة الواسطية» (1 / 234).

الصفحة السابقة الصفحة التالية