المنة شرح اعتقاد أهل السنة
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 61
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
= سفيان وجعفر الصادق وأبو زيد اللغوي كما ترى، وقد نقل جماعات من العلماء من المتقدمين والمتأخرين عن هؤلاء الأئمة هذه الأسماء بما فيها الأسماء المشتقة دون نكير، ولم يقل أحد منهم أن الأسماء توقيفية بمعنى أنها لا يجوز فيها الاشتقاق، وذلك -والله أعلم- لأن الاشتقاق عندهم لا ينافي التوقيف مادامت الأسماء تدل على الكمال المطلق، وإنما الذي ينافيه اختراع أسماء لم تَرِدْ ولم يدل عليها فعل ولا صفة كـ «مهندس الكون العظيم» و«الرمضان» و«العلة الأولى» ونحو ذلك.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية -بعد بيان أن التعيين للأسماء الواردة في رواية الترمذي مُدْرَجٌ كذلك- فيقول: «ولهذا جمعها قوم آخرون على غير هذا الجمع واستخرجوها من القرآن منهم سفيان بن عيينة والإمام أحمد بن حنبل وغيرهما، [مجموع الفتاوى (380/6)]، بل هذا شيخ الإسلام يُقِرّ العلماء الذين ذكروا أن من أسماء الله «المغيث، والغياث»، فيقول رحمه الله: «قالوا من أسماء الله تعالى المغيث، والغياث، وقد جاء ذكر المغيث في حديث أبي هريرة، قالوا: واجتمعت الأمة على ذلك، ا. هـ [«مجموع الفتاوى» (111/1)]، ومعلوم أن هذه الأسماء لم ترد بسند صحيح بلفظ الاسم مطلقًا، وإنما استخرجها العلماء بالاشتقاق.
وكذلك ابن القيم رحمه الله يذكر أن من أسماء الله تعالى «المعطي المانع الضار النافع المنتقم العفو المعز المذل»، وإن كان «المنتقم» لم يرد في القرآن مطلقًا، بل ورد مقيدًا بالمجرمين كما قال تعالى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ [السجدة: 22]، وهذه كلها أسماء مشتقة، فيقول رحمه الله: «السابع عشر: أن أسماءه تعالى منها ما يطلق عليه مفردًا ومقترنًا بغيره، وهو غالب الأسماء، كالقدير والسميع والبصير والعزيز والحكيم، وهذا يسوغ أن يُدعى به منفردًا ومقترنًا بغيره، فتقول: يا عزيز، يا حليم، يا غفور، يا رحيم، وأن يُفرد كل اسم، وكذلك في الثناء عليه والخبر عنه بما يسوغ لك الإفراد والجمع، ومنها ما لا يطلق عليه بمفرده، بل مقرونًا بمقابله كالمانع والضار والمنتقم فلا يجوز أن يُفرد هذا عن مقابله فإنه مقرون بالمعطي والنافع والعفو، فهو المعطي المانع، الضار النافع، المنتقم العفو، المعز المذل، لأن الكمال في اقتران كل اسم من هذه بما يقابله، لأنه يُراد به أنه المنفرد بالربوبية وتدبير الخلق والتصرف فيهم عطاءً ومنعًا، ونفعًا وضرًا، وعفوًا وانتقامًا، وأما أن يُثنى عليه بمجرد المنع والانتقام والإضرار فلا يسوغ، فهذه الأسماء المزدوجة تجري الأسماء منها مجرى الاسم الواحد الذي يمتنع فصل بعض حروفه عن بعض، فهي وإن تعددت جارية مجرى الاسم الواحد، ولذلك لم تجئ مفردة ولم تُطْلَقْ عليه ﷻ إلا مقترنة فاعلمه، فلو قلت: يا مذل، يا ضار، يا مانع، وأخبرت بذلك لم تكن مثنيًا عليه، ولا حامدًا له حتى تذكر مقابلها، ا. هـ.
فها هو رحمه الله يذكر هذه الأسماء، وقرنها بأسماء السميع والبصير والقدير والعزيز والحكيم حتى لا يقال إن ابن القيم رحمه الله يقصد أن هذه الأسماء تطلق عليه سبحانه من باب الإخبار.
وكذلك الشيخ حافظ حكمي رحمه الله في كتاب «معارج القبول» يذكر أن هذه الأسماء من أسماء الله الحسنى فيقول رحمه الله: «واعلم أن من أسماء الله ﷻ ما لا يُطْلَقُ عليه إلا مقترنًا بمقابله فإذا أُطْلِقَ وحده أوهم نقصًا، تعالى الله عن ذلك، فمنها المعطي المانع، والضار النافع، والقابض الباسط، والمعز المذل، والخافض الرافع، فلا يُطْلَقُ على الله ﷻ المانع الضار القابض المذل الخافض كلًا على انفراده، بل لابد من ازدواجها بمقابلاتها، إذ لم تُطْلَقْ في الوحي إلا كذلك، ومن ذلك المنتقم لم يأت في القرآن إلا مضافًا إلى «ذو» كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ﴾ [آل عمران: 4]، أو مقيدًا بالمجرمين كقوله تعالى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ [السجدة: 22]». اهـ. مع ملاحظة أن «القابض الباسط» قد جاء ذكرهما في حديث ثابت عن النبي ﷺ، صححه الألباني في «الصحيحة» (1846).
