شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

المنة شرح اعتقاد أهل السنة

الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 62

نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة

ورد في الحديث «الستير»، كما قال النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ، يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسَّتْرَ، فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ، (1)، وكذلك يجوز أن نقول: إن الله ستّار؛ لأن هذا الاسم قريب جدًا في المعنى من اسم الستير، ويدل على معنى كمال مثلما يدل اسم الستير تمامًا، فلا مانع من أن نقول: إن الله هو الستّار، أما كلمة «ساتر»: فقد تستعمل بمعنى الحائط، وبمعنى الستارة، فلا يجوز أن نقول: «يا ساتر يا رب»، بل نقول: «يا ستّار يا رب»، والأفضل أن نقول: «يا ستّير يا رب».

= لكن ابن القيم رحمه الله اشتد نكيره على من يشتق من الأفعال المقيدة لا المطلقة، فيقول رحمه الله: «الثالث: أنه لا يلزم من الإخبار عنه بالفعل مقيدًا أن يُشتق له منه اسم مطلق، كما غلط فيه بعض المتأخرين فجعل من أسمائه الحسنى «المضل الفاتن الماكر»، تعالى الله عن قوله، فإن هذه الأسماء لم يُطْلَقْ عليه سبحانه منها إلا أفعال مخصوصة معينة، فلا يجوز أن يُسمى بأسمائها المطلقة والله أعلم». اهـ.

وينقل ذلك عنه أيضًا الشيخ حافظ حكمي رحمه الله فيقول: «وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: إن الله تعالى لم يصف نفسه بالكيد والمكر والخداع والاستهزاء مطلقًا، ولا ذلك داخل في أسمائه الحسنى، ومن ظن من الجهال المصنفين في شرح الأسماء الحسنى أن من أسمائه تعالى الماكر المخادع المستهزئ الكائد، فقد فاه بأمر عظيم تقشعر منه الجلود وتكاد الأسماع تُصَمُّ عند سماعه، وغر هذا الجاهل أنه ﷻ أطلق على نفسه هذه الأفعال فاشتق له منها أسماء، وأسماؤه تعالى كلها حسنى فأدخلها في الأسماء الحسنى وقرنها بالرحيم الودود الحكيم الكريم، وهذا جهل عظيم فإن هذه الأفعال ليست ممدوحة مطلقًا بل تُمدح في موضع وتُذم في موضع فلا يجوز إطلاق أفعالها على الله تعالى مطلقًا، فلا يقال إنه تعالى يمكر ويخادع ويستهزئ ويكيد فكذلك بطريق الأولى لا يُشْتَقُّ له منها أسماء يُسَمَّى بها، بل إذا كان لم يأت في أسمائه الحسنى المريد والمتكلم ولا الفاعل ولا الصانع لأن مسمياتها تنقسم إلى ممدوح ومذموم وإنما يُوصَف بالأنواع المحمودة منها كالحليم والحكيم والعزيز والفعال لما يريد، فكيف يكون منها الماكر والمخادع والمستهزئ، ثم يلزم هذا الغالط أن يجعل من أسمائه الحسنى: الداعي والآتي والجائي والذاهب والقادم والرائد والناسي والقاسم والساخط والغضبان واللاعن إلى أضعاف أضعاف ذلك من التي أطلق تعالى على نفسه أفعالها في القرآن، وهذا لا يقوله مسلم ولا عاقل، والمقصود أن الله ﷻ لم يصف نفسه بالكيد والمكر والخداع إلا على وجه الجزاء لمن فعل ذلك بغير حق، وقد عُلِمَ أن المجازاة على ذلك حسنة من المخلوق فكيف من الخالق ﷻ». اهـ.

فإنّ ابن القيم رحمه الله إنما شنع على من أخطأ واشتق من الأفعال المقيدة والتي لم ترد مطلقة وإنما هي كمال في ما سيقت فيه، يقول رحمه الله: «فصل: والرب تعالى يُشْتَقُّ له من أوصافه وأفعاله أسماء ولا يُشْتَقُّ له من مخلوقاته، وكل اسم من أسمائه فهو مشتق من صفة من صفاته أو فعل قائم به». اهـ. «شفاء العليل» (ص: 271).

______

(1) حسن: رواه أبو داود (4012)، والنسائي (406)، وأحمد (17509)، وحسنه الألباني في «المشكاة» (447).

الصفحة السابقة الصفحة التالية