شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

المنة شرح اعتقاد أهل السنة

الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 71

نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة

الرب سبحانه سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها فبه يسمع، وبه يبصر، وبه يبطش وبه يمشي كما أخبر عن نفسه على لسان رسوله.

ومَن غَلُظَ حِجَابُه وكَثُفَ طبعُه وصلب عوده فهو عن فهم هذا بمعزل، بل لعله أن يفهم منه مالا يليق به تعالى من حلول أو اتحاد، أو يفهم منه غير المراد منه فيحرف معناه ولفظه: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُۥ نُورًا فَمَا لَهُۥ مِن نُّورٍۢ﴾ [النور: 40]، وقد ذكرت معنى الحديث والرد على من حرفه وغلط فيه في كتاب «التحفة المكية».

وبالجملة فيبقى قلب العبد -الذي هذا شأنه- عرشًا للمثل الأعلى، أي عرشًا لمعرفة محبوبه ومحبته وعظمته وجلاله وكبريائه، وناهيك بقلب هذا شأنه، فيا له من قلب مِنْ ربه ما أدناه، ومن قربه ما أحظاه، فهو ينزه قلبه أن يساكن سواه أو يطمئن بغيره، فهؤلاء قلوبهم قد قطعت الأكوان وسجدت تحت العرش وأبدانهم في فرشهم، كما قال أبو الدرداء: إذا نام العبد المؤمن عرج بروحه حتى تسجد تحت العرش... فإن كان طاهرًا أذن لها في السجود، وإن كان جُنُبًا لم يؤذن لها بالسجود، وهذا -والله أعلم- هو السر الذي لأجله أمر النبي ﷺ الجنب إذا أراد النوم أن يتوضأ(1)، وهو إما واجب على أحد القولين، أو مؤكد الاستحباب على القول الآخر، فإن الوضوء يخفف حدث الجنابة ويجعله طاهرًا من بعض الوجوه، ولهذا روى الإمام أحمد وسعيد بن منصور وغيرهما عن أصحاب رسول الله ﷺ أنهم إذا كان أحدهم جُنُبًا ثم أراد أن يجلس في المسجد توضأ ثم جلس فيه(2)، وهذا مذهب الإمام أحمد وغيره.

مع أن المساجد لا تحل لجنب، على أن وضوءه رفع حكم الجنابة المطلقة الكاملة التي تمنع الجنب من الجلوس في بيت الله وتمنع الروح من السجود بين يدي الله سبحانه، فتأمل هذه المسألة وفقهها واعرف بها مقدار فقه الصحابة وعمق علومهم، فهل ترى أحدًا من المتأخرين وصل إلى مبلغ هذا الفقه الذي خص الله به خيار عباده وهم أصحاب نبيه ﷺ وذلك فضل الله يؤتيه من

______

(1) رواه البخاري (290)، ومسلم (306)، ولفظ البخاري: «أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ؓ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: أَيَرْقُدُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرْقُدْ وَهُوَ جُنُبٌ»».

(2) رواه سعيد بن منصور في «السنن» (4/ 1275) في تفسير «سورة النساء»، وذكره ابن كثير في تفسيره (1/ 503)، وقال: «هذا إسناد على شرط مسلم».

الصفحة السابقة الصفحة التالية