المنة شرح اعتقاد أهل السنة
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 72
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
يشاء والله ذو الفضل العظيم، فإذا استيقظ هذا القلب من منامه صعد إلى الله بهمه وحبه وأشواقه مشتاقًا إليه طالبًا له محتاجًا إليه عاكفًا عليه، فحاله كحال المحب الذي غاب عن محبوبه الذي لا غنى له عنه ولابد له منه، وضرورته إليه أعظم من ضرورته إلى النفس والطعام والشراب، فإذا نام غاب عنه، فإذا استيقظ عاد إلى الحنين إليه، وإلى الشوق الشديد والحب المقلق، فحبيبه آخر خطراته عند منامه وأولها عند استيقاظه كما قال بعض المحبين لمحبوبه:
وَآخِرُ شَيْءٍ أَنْتَ فِي كُلِّ هَجْعَةٍ... وَأَوَّلُ شَيْءٍ أَنْتَ عِنْدَ هُبُوبِي
فقد أفصح هذا المحب عن حقيقة المحبة وشروطها، فإذا كان هذا في محبة مخلوق لمخلوق فما الظن في محبة المحبوب الأعلى، فأفٍ لقلب لا يصلح لهذا ولا يصدق به، لقد صرف عنه خير الدنيا والآخرة.
فإذا استيقظ أحدهم وقد بدر إلى قلبه هذا الشأن فأول ما يجري على لسانه ذكر محبوبه والتوجه إليه واستعطافه والتملق بين يديه والاستعانة به ألا يخلي بينه وبين نفسه، وأن لا يكله إليها فيكله إلى ضعة وعجز وذنب وخطيئة، بل يكلؤه كلاءة الوليد الذي لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، فأول ما يبدأ به الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور، متدبرًا لمعناها من ذكر نعمة الله عليه بأن أحياه بعد نومه الذي هو أخو الموت، وأعاده إلى حاله سويًّا سليمًا محفوظًا مما لا يعلمه ولا يخطر بباله من المؤذيات والمهلكات التي هو غرض وهدف لسهامها كلها تقصده بالهلاك أو الأذى، والتي من بعضها شياطين الإنس والجن، فإنها تلتقي بروحه إذا نام فتقصد إهلاكه وأذاه، فلولا أن الله سبحانه يدفع عنه لما سَلِمَ.
هذا وكم تلقى الروح في تلك الغيبة من أنواع الأذى والمخاوف والمكاره والتفزيعات ومحاربة الأعداء والتشويش والتخبيط بسبب ملابستها لتلك الأرواح، فمن الناس من يشعر بذلك لرقة روحه ولطافتها ويجد آثار ذلك فيها إذا استيقظ من الوحشة والخوف والفزع والوجع الروحي الذي ربما غلب حتى سرى إلى البدن، ومن الناس من تكون روحه أغلظ وأكثف وأقسى من أن تشعر بذلك، فهي مثخنة بالجراح مزمنة بالأمراض ولكن لنومها لا تحس بذلك، هذا وكم من مريد لإهلاك جسمه من الهوام وغيرها وقد حفظه منه فهي في جحورها
