شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

المنة شرح اعتقاد أهل السنة

الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 73

نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة

محبوسة عنه لو خليت وطبعها لأهلكته، فمن ذا الذي كلاه وحرسه وقد غاب عنه حسه وعلمه وسمعه وبصره، فلو جاء البلاء من أي مكان جاء لم يشعر به، ولهذا ذكر الله سبحانه عباده هذه النعمة وعدها عليهم من جملة نعمه فقال: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٢].

فإذا تصور العبد ذلك فقال: «الحمد لله» كان حمده أبلغ وأكمل من حمد الغافل عن ذلك، ثم تفكر في أن الذي أعاده بعد هذه الإماتة حيًّا سليمًا قادر على أن يعيده بعد موتته الكبرى حيًّا كما كان، ولهذا يقول بعدها: «وإليه النشور» ثم يقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله»، ثم يدعو ويتضرع ثم يقوم إلى الوضوء بقلب حاضر مستصحب لما فيه، ثم يصلي ما كتب الله له، صلاة محب ناصح لمحبوبه، متذلل منكسر بين يديه، لا صلاة مدل بها عليه، يرى من أعظم نعم محبوبه عليه أن أقامه وأنام غيره، واستزاره وطرد غيره، وأهله وحرم غيره، فهو يزداد بذلك محبة إلى محبته، ويرى أن قرة عينه وحياة قلبه وجنة روحه ونعيمه ولذته وسروره في تلك الصلاة.

فهو يتمنى طول ليله ويهتم بطلوع الفجر كما يتمنى المحب الفائز بوصول محبوبه ذلك، فهو كما قيل:

يَوَدُّ أن ظلام الليل دام له... وزاد فيه سواد القلب والبصر

فهو يتملق فيها مولاه تملق المحب لمحبوبه العزيز الرحيم، يناجيه بكلامه معطيًا لكل آية حظها من العبودية فتجذب قلبه وروحه إليه آيات المحبة والوداد، والآيات التي فيها الأسماء والصفات، والآيات التي تتعرف بها إلى عباده بآلائه وإنعامه عليهم وإحسانه إليهم؛ وتطيب له السير آيات الرجاء والرحمة وسعة البر والمغفرة فتكون له بمنزلة الحادي الذي يطيب له السير ويهونه، وتقلقه آيات الخوف والعدل الانتقام وإحلال غضبه بالمعرضين عنه العادلين به غيره المائلين إلى سواه، فيجمعه عليه ويمنعه أن يشرد قلبه عنه، فتأمل هذه الثلاثة وتفقه فيها، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله.

الصفحة السابقة الصفحة التالية