المنة شرح اعتقاد أهل السنة
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 8
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
وكما قال حُذَيْفَةُ رضي الله عنه: «حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ حَدِيثَيْنِ؛ قَدْ رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا، وَأَنَا أَنْتَظِرُ الآخَرَ، حَدَّثَنَا: أَنَّ الْأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ، ثُمَّ نَزَلَ الْقُرْآنُ، فَعَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ وَعَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ...»(1)، والأمانة هنا معناها: الإيمان، فتعَلَّموا الإيمان أولًا ثم تَعَلَّموا الكتاب والسُّنَّة بعد ذلك، فازدادوا إيمانًا.
فالغرض والمقصود الأول أن يزداد الإنسان إيمانًا بمعرفة الله ﷻ ومحبته ﷻ، ومعرفة ملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر، ومعرفة أصول الدين وفروعه، ليعمل بها المسلم، وتزكو بها نفسه، فمن أخطر ما جُنِي به على المسلمين أن أصبحت قضية العقيدة أو قضية المنهج كلامًا يُقال، ومسائل تُعرف وتُحفظ، وردودًا وشبهاتٍ وأقوالًا وخلافًا، بل وتحول الفقه إلى ذلك أيضًا، وأصبحت المسائل المفرعة هي غاية المتأخرين، فكلما كان الأمر شاذًا ونادرًا وكلما عرف الإنسان كثيرًا من هذه المسائل الشاذة النادرة والتقسيمات المُجَمَّعَة لها؛ كان أكثر علمًا عند الناس أو هكذا يظن نفسه.
وإذا أردت أن تنظر إلى القَدْر الذي يحتاج إليه الإنسان عمليًا بالفعل من هذه الأقوال لوجدته أقل من ذلك بكثير.
ولذلك كلما اقترب الإنسان من المصدر الأصلي لتناول العقيدة والفقه وأنواع العلوم كلها -بقربه إلى الكتاب والسُّنَّة- اعتدل ميزانه، وشعر بأهمية القضايا الكبرى في حياة الإنسان، لا أن يهتم بمسائل ربما يعيش حياته لا يعمل بها مرة واحدة.
وأضرب مثالًا -لا أقصد به التهوين أو التقليل من شأن هذه المسألة، بل هي مسألة من أفضل المسائل المبحوثة فقهيًّا ووردت بها أحاديث- مسألة القِلَّة والكثرة في الماء: «إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ»(2)، وهذه المسألة بالنسبة إلى مسائل أخرى فرعية تعد مسألة أصلية؛ لأنه ورد بها حديث صحيح -بل جملة أحاديث في هذا الباب-، وهي مسألة مهمة بالتأكيد، فالبحث فيها ومعرفة الراجح فيها وقضاء الوقت في ذلك عبادة لله ﷻ لا شك في هذا.
______
(1) رواه البخاري (6497، 7086، 7276)، ومسلم (143).
(2) صحيح: رواه أحمد (4961)، والشافعي (7/1)، وابن أبي شيبة (1525)، وأبو داود (63)، والترمذي (67)، والنسائي (328)، وابن حبان (1249)، والدارقطني (15)، والحاكم (459) وقال: «رواه الشافعي في «المبسوط» عن الثقة، وهو: أبو أسامة بلا شك فيه»، ووافقه الذهبي، ورواه البيهقي (1162)، ورواه ابن ماجه (517) بلفظ: «لم يُنَجِّسْهُ شيء»، وكذا الدارمي (731)، وصححه الألباني.
