شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

المنة شرح اعتقاد أهل السنة

الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 81

نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة

توحيد الربوبية

المقام، وهو ظنهم أن الإنسان مالك لنفسه، وبالتالي فلا سلطان لأحد عليه، ويتصرف في سمعه وبصره وجسمه كما يريد، وهذا منبعه من اعتقاد أنه يملك، ولو اعتقد أنه مملوك لتصرف في جسمه تصرف المملوك الذي لا يتصرف إلا بإذن مالكه.

ونذكر مثالًا على ذلك:

لو أن إنسانًا يُفَوَّض من قِبل مالك للمال، ويقول له صاحب المال إذا جاءتك ورقة موقعة مني فاصرف منه وإلا فلا، فقد يكون تحت يده أموال كثيرة، ولكنه لا يتصرف فيها إلا بأمر مالكها ولو تصرَّف فيها بغير ذلك لاستحق العقاب الشديد، بل أشد أنواع العقاب، لأنه تَصَرَّف تصرُّف المالك فيما لا يملك.

فالعبد الذي أعطاه الله السمع، والبصر، والحياة، والعقل، والبدن، واليد، والرجل، والبطن، والفرج، لو قال: أنا حر في هذه الأشياء فهذا اعتقاد باطل، وهو ما يفعله كثير من الناس إذا قلت لهم: اتقوا الله، وصلوا وصوموا، واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، والتزموا بالحجاب، فيقولون: نحن أحرار فهذا كذب وادعاء لما ليس لهم؛ لأنهم لم يهبوا أنفسهم هذه الأشياء، فكيف يقول قائلهم: أنا حر؟! وكيف يتصرف تصرف المالك وهو مملوك؟!

ولذلك فالعبد يرى نفسه فقيرًا مع الله ﷺ، ومن ير نفسه غنيًا مستغنيًا عن ربه ﷻ فإنه يطغى ويَكْفُر، وكذلك الذي يرى أن المال ماله، وليس مال الله الذي أعطاه إياه، فهذا من أسباب كفره، ولذلك كفر صاحب الجنة، الذي قال لصاحبه: ﴿مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ [الكهف: ٣٥-٣٦]، وليس كفره لإنكار البعث فحسب، إنما كَفَرَ قبل ذلك لإنكار مُلْكِ الرب ﷺ وغناه، وظن نفسه غنيًا عن الله ﷻ، وظن أن هذه الجنة تقوم بنفسها، وأنه لا يحتاج إلى أحد لأنه مالك لها، وغره أنه يتصرف في ثمارها كل سنة وأنها تجري على عادة معينة دون انقطاع، فقال: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا ۝ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا ﴾ [الكهف: ٣٤-٣٥]، فكَفَرَ من تلك اللحظة، وزاد كفره بقوله: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٦]، وجزم لنفسه بأنه لو كانت هناك آخرة فلابد أن يُعطى خيرًا منها،

الصفحة السابقة الصفحة التالية