المنة شرح اعتقاد أهل السنة
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 82
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
قال الله ﷺ: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾ [الكهف: ٣٧]، يذكره بفقره في لحظات فقر الإنسان التام، عندما كان ترابًا وعندما كان نطفة، فهو فقير جدًا لا يملك شيئًا، فكيف يظن نفسه مستغنيًا؟! فقال له: ﴿لَّـٰكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ [الكهف: ٣٨]، فأكد على قضية الربوبية، فالله هو الرب يعني هو المالك ﷺ.
فالذي يرى تصرف الإنسان فيما أعطاه الله تصرفًا حرًا حرية مطلقة -كما يعتقد دعاة الغرب، بل هو أحد الأسس الكبرى في الحضارة الغربية، وهو الحرية المطلقة بما فيها حرية الكفر والطعن في الدين، وسب الله وسب الأنبياء(١)، ونشر الإباحية- فأفعاله مبنية على اعتقاد أن الإنسان مالك وأنه حر، فمن يعتقد ذلك حتى دون أن يتصرف تصرف الأحرار فهو كافر، وكثير من الناس يتلفظون بهذه الكلمة «نحن أحرار» إذا خوطبوا بشرع الله.
وهناك شبهة، وهي أن البعض قد يظن أن قول الله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]، معناه أن الإنسان حر.
وهذا فهم خاطئ، فالغرض من أسلوب الأمر هنا التهديد، وليس الإباحية بدليل بقية الآية (٢): ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِم سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩]، فالمقصود ألا يُكره الناس على الدخول في الإسلام، ولكن ليس معناها أن الإنسان حر في أن يؤمن أو يكفر بلا تَبِعة وبلا عقاب، بل الأمر للتهديد؛ كقولك: «افعل كذا وسترى عاقبة فعلك»، فليست هذه في الحقيقة حرية، بل هو مسؤول عن تصرفاته بعد ذلك.
وقال الله ﷺ: ﴿فَلَوْلَا إِن كُنتُم غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٦-٨٧]، وهي لحظة الفقر وظهور عدم الملك، فلو أن الإنسان غير مُحاسَب وأنه يملك نفسه وروحه فليُعِدْ لهذا الميت روحه التي يرغب في استمرارها في جسمه، فهذه قضية عظيمة الخطر في
______
(1) ولذلك يُعطون الأوسمة لمن يسب الله ﷺ كما أعطوا أحد الأشخاص جائزة نوبل؛ لأنه يطعن في الدين ويطعن في الربوبية، ويقول بموت الإله خلال الرواية المشهورة، وكذا يقفون بجانب سلمان رشدي؛ لأنه يطعن في الله ﷺ.
(2) لصيغة الأمر دلالات كثيرة منها التهديد -كما هو هنا-، ومنها الوجوب -وهو ظاهر الأمر-، ومنها الاستحباب، ومنها الإباحية، وغير ذلك راجع «روضة الناظر» لابن قدامة و«إرشاد الفحول» للشوكاني.
