المنة شرح اعتقاد أهل السنة
الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 85
نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة
الداخلية التي لو أقرها نواب الشعب ورأوا تطبيقها فإنها تُطَبَّق، وإن لم يروا ذلك فلا تُطَبَّقَ*(1)*، ولو رأوها حلالًا فهي حلال، ولو رأوها حرامًا فهي حرام، فهم لم يتحاكموا إلى قانون غير قانونهم، ولكنهم اعتقدوا أن لغير الله حق التشريع، فبهذا جعلوهم أربابًا لأنهم وصفوهم بوصف الربوبية، وإن لم يعبدوهم.
كمن يظن -على سبيل المثال- أن الله خلقنا نحن وهناك أرباب آخرون خلقوا خلقًا آخرين، أليسوا بذلك مشركين؟!! بالقطع هم مشركون، لأنهم اعتقدوا أن مع الله سبحانه مَنْ يخلق، وإن اعتقدوا أنه يخلق غيرَه، فلابد أن نعتقد أن الله سبحانه هو الذي خلق كل هذا الخلق، ولا يوجد معه خالق آخر لا لنا، ولا لغيرنا، فكذلك لابد أن نعتقد أن الله وحده هو الذي يأمر وينهى ويشرع لنا ولغيرنا، فلو أنك مع اعتقادك أن غير الله له حق التشريع، لجأت إليه وقلت له: سألتزم بما تأمر به وتشرعه، فقد عبدته من دون الله.
ولذلك فهذه قضية عظيمة الأهمية، ومظاهر الشرك فيها منتشرة جدًّا، وهي قضية التشريع، والأمر والنهي والسيادة، وينصون في الدساتير*(2)* المدنية على أن السلطة التشريعية من حقوق الشعب، وأن الشعب مصدر كل السلطات، التشريعية والقضائية والتنفيذية، ونحن نعوذ بالله من ذلك، فالله سبحانه قال: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاؤُا شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، فَسَمَّاهُمُ الله سبحانه شركاء، وهذا -كما قدمنا- مرتبط بالاعتقاد، فمن اعتقد أن ما يقوله فلان حقٌّ سواءً أكان ذلك في التشريع أم في التحليل أم في التحريم، فهذا من الشرك في الربوبية حتى لو لم يتحاكم إليه، وحق لو لم يُطعْه في هذا، أما إذا أضاف إلى ذلك طاعته في التحليل والتحريم فقد عبده من دون الله سبحانه، وهذا شرك في الألوهية، وإن لم يقل: إني أعبدهم، فإن عدي بن حاتم قال: «إنا لسنا نعبدهم»، فلم يكونوا يركعون لهم ولا يسجدون، ولكن اتبعوهم في تبديل الشريعة، ولم تكن طاعتهم في المعصية فقط، بل اتبعوهم في التبديل، قال صلى الله عليه وسلم: «ألم يُحرِّمُوا الحَلَالَ وَيُحَلِّلُوا الحَرَامَ فَاتَبَعْتُمُوهُم؟» قال: بل، قال صلى الله عليه وسلم: «تلك عِبَادَتُهُم».
______
(1) هذا في أصل النظرية، أما اليوم فهم لا يرون بديلًا عن الإباحية فهم يعاقبون سياسيًّا واقتصاديًّا وربما عسكريًّا: من يجرم الزنى، أو يقيم الحدود الشرعية، أو يقضي بالقصاص.
(2) الدستور: في الاصطلاح المعاصر: مجموعة القواعد الأساسية التي تبيّن شكل الدولة ونظام الحكم فيها، ومدى سلطتها إزاء الأفراد. انظر «المعجم الوسيط».
