شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

المنة شرح اعتقاد أهل السنة

الشيخ ياسر برهامي • العقيدة والتوحيد • ص 96

نص محوَّل آليًا من نسخة مصورة، يحتاج مراجعة

الشرك الأكبر في الألوهية

ذكرنا قبل ذلك أن الشرك الأكبر في الأسماء والصفات أن يعتقد شخصٌ وجود نِدّ لله ﷻ في أسماؤه وصفاته، والشرك الأكبر في الربوبية أن يعتقد نِدًّا لله ﷻ في ربوبيته: خالقًا، أو مالكًا، أو مُصَرِّفًا؛ فكذلك إذا اعتقد إلهاً مع الله، أو صرف العبادة لغير الله؛ فهذا هو الشرك الأكبر الذي لا يغفر الله ﷻ؛ إلا بالتوبة منه.

فالشرك الأكبر في توحيد الألوهية: هو صرف العبادة لغير الله ﷻ، سواء أكان هذا: مَلَكًا مُقَرَّبًا، أم نبيًّا مرسَلًا، أم وليًّا صالحًا(١)؛ فضلًا عما دون ذلك من الأحجار والأشجار والقبور، ولو على سبيل التوسل إلى الله(٢)، فالكفار كانوا يقولون عن آلتهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣].

ومعلوم أن أول شرك وقع على ظهر الأرض كان بسبب الغلو في الصالحين، وهو الذي وقع فيه قوم نوح العلية، كما قال الله ﷻ: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح:٢٣]، قال ابن عباس لها: «هَذِهِ أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ أَنِ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ؛ فَفَعَلُوا فَلَمْ تُعْبَدْ حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنَسَّخَ الْعِلْمُ؛ عُبِدَتْ»(٣)، وهذا يدلنا على أن الغلو في الصالحين من أعظم أسباب الشرك الأكبر، والمعلوم أن اليهود يعبدون عُزيرًا ويسمونه ابن الله، والنصارى يعبدون المسيح ويسمونه ابن الله، وأن المشركين كانوا يسمون أوثانهم بالأسماء المؤنثة المشتقة من أسماء الله ﷻ على أنها ترمز للملائكة، التي اعتقدوا أنها بنات الله -تعالى عما يقولون علوًا كبيرًا- فعبدوها لتقربهم إلى الله زلفى، كما قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم:١٩-٢٠] فاشتقوا اللَّات من الله، والعُزَّى من العزيز،

______

(١) أكثر الناس إنما يعبدون الملائكة والرسل والأولياء ظنًّا منهم أن ذلك يقريهم إلى الله ﷻ.

(٢) يصرفون العبادة لغير الله ويسمونه توسلا، وشتان بين هذا التوسل الشركي وبين ما يجوز من التوسل الشرعي، فتنبّه.

(٣) رواه البخاري (٤٩٢٠).

الصفحة السابقة الصفحة التالية