عقيدة أهل السنة والجماعة في مسائل الإيمان والكفر
الشيخ ياسر برهامي • الفكر والمنهج • ص 107
نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ
كافر، وليس كذلك، بل لا بد من التفصيل بين الإعراض عن فهم الحُجة بعد قيامها في مسألة يكفر معتقدُها أو قائلُها أو فاعلُها، وبين الإعراض الجزئي عن طلب العلم أو عن الحق في أي مسألة أخرى، وقد قال تعالى: في شأن الشهادة: ﴿ وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ [النساء: ١٣٥]، وقال النبي ﷺ للرجل الذي انصرف عن حلقة العلم: «وَأَمَّا الْآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ» (١)، مع الاتفاق على أن مثل هذا الإعراض لا يكون كُفرًا ناقلاً عن الملة.
أما الإعراض الذي يقصده الشيخ فهو الإعراض عن آيات الله بعد التذكير بها، كما استدل عليه بقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ ﴾ [السجدة: ٢٢]، فهو صريح في وجود التذكير وبلوغ آيات الله لهذا المجرم المُعْرِض، وليس كذلك من أعرض عن شيء من تفاصيل الدين علمًا وعملًا وإن كان مقصرًا يستحق العقاب، ولكنه ليس بالكفر الناقل عن الملة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله في وجوه تفاضل الإيمان: «الوجه الثامن: أن الإنسان قد يكون مكذبًا ومنكرًا لأمور لا يعلم أن الرسول ﷺ أخبر بها وأمر بها ولو علم ذلك لم يكذب ولم ينكر. بل قلبه جازم بأنه ﷺ لا يخخبر إلا بصدق ولا يأمر إلا بحق ثم يسمع الآية أو الحديث أو يتدبر ذلك أو يفسر له معناه أو يظهر له ذلك بوجه من الوجوه فيصدق بما كان مكذبًا به ويعرف ما كان منكرًا وهذا تصديق جديد وإيمان جديد ازداد به إيمانه ولم يكن قبل ذلك كافرًا بل جاهلًا، (٢) ا.ه.
ولا بد هنا من التنبيه على الفرق بين قيام الحُجة وفهم الحُجة، كما بينه الشيخ في مواطن عديدة من مؤلفاته، فالذي يشترط في قيام الحُجة؛ وضوحُها
______
(1) البخاري (٦٦)، ومسلم (٢١٧٦).
(2) مجموع الفتاوى (٢٣٧/٧)
