شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

عقيدة أهل السنة والجماعة في مسائل الإيمان والكفر

الشيخ ياسر برهامي • الفكر والمنهج • ص 31

نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ

في مسائل الإيمان والكفر

فأعمال القلوب شيء زائد على مجرد التصديق والعلم واليقين، فيكون المرء يعلم مثلًا أن فلانًا هو أحمد أو محمد هذا شيء، وكونه يححبه أو يبغضه فهذا شيء آخر، فنحن نعلم تمامًا ونوقن بكفر أبي جهل وفرعون، ونحن نبغضهم، فالإقرار بكفرهم شيء، وعمل القلب - وهو بغضهم - شيء آخر، ونحن نوقن بنبوة إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين -، ونُقِرُّ ونعلم أنهم رسل الله ونحبهم، وحبهم هذا أمر زائد على مجرد التصديق، فلو أن إنسانًا لم تكن عنده هذه الأعمال القلبية لم يكن مؤمنًا، قال تعالى عن آل فرعون: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾ [النمل: ١٤]، وقال ﷺ عن موسى عليه السلام في خطابه لفرعون: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً﴾ [الإسراء: ١٠٢] فكفر فرعون لانتقفاء عمل القلب بالإضافة إلى انتفاء قول اللسان؛ لأن فرعون أبى أن ينطق بـ «لا إله إلا الله»؛ إلا عندما عاين العذاب، ولا ينفعه ذلك.

أما إبليس فعنده اعتقاد القلب ونُطْق اللسان؛ لأنه فيما بينه وبين الله عز وجل لم يكن يُنكر وجود الله تبارك وتعالى، ولا إلهيته، ولا ربوبيته، وإنما كان كفره؛ ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾، فكلمة ﴿أَبَى﴾ تساوي: رد شرع الله، وكلمة ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾ تنافي الذل والانكسار والخضوع والانقياد لله عز وجل، فكفر إبليس كان بزوال عمل القلب، فلم يقل الله عز وجل قط في قصة إبليس إنه كذَّب أمر الله بالسجود لآدم، فضلا عن أن يكذب بتوحيده ﷺ مثلا، بل ظلَّ - بعد كفره - يقول: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر: ٣٦، ص: ٧٩]، ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر: ٣٩]، ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٤٠، ص: ٨٣]، فهو ما زال يُقر باليوم الآخر ويُقر بأن الله خلقه، وقال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]، فهو لم يكفر بزوال المعرفة، ولا بزوال التصديق الباطن، وإنما كفر بإبائه واستكباره.

الصفحة السابقة الصفحة التالية