عقيدة أهل السنة والجماعة في مسائل الإيمان والكفر
الشيخ ياسر برهامي • الفكر والمنهج • ص 37
نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ
كما قال تعالى: ﴿فَهُمْ فِي رَبِّهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة: ٤٥]. وقال النبي ﷺ لأبي هُريرةَ رضي الله عنه: «... اذْهَبْ بِنَعْلَيَّ هَاتَيْنِ، فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُسْتَيْقِناً بِهَا قَلْبُهُ فَبَشِّرْهُ بِالجَنَّةِ...، الحديث (١)، فلكي ينجو العبد يوم القيامة لابد أن يكون مستيقناً، ولكي يكون مؤمناً عند الله وعنده أصل الإيمان لابد أن يكون عنده يقين، فلو كان عنده شك أو رريب فليس عنده أصل الإيمان، وأفظع من الشك والريب التكذيب. فالشك هو استواء الطرفين، أما التكذيب فهو أن يعتقد في باطنه خلاف الحق، ولو شبهنا الإيمان ببناء، فالذي عنده شك أرضه مستوية لا شيء فوقها من بناء، ولا شيء نازل عنها، أما المكذّب فمثله كمثل حفرة تحت الأرض، كالذي يعتقد أن الله ثالث ثلاثة، أو يعتقد أن المسيح إله، فهذا لا يتردد في «هل الله واحد أم ثلاثة؟» ولا يتردد في «هل المسيح عبدٌ رسول أم إله؟» بل هو معتقد للكفر، بخلاف الذي يشك، وكذلك الذي يكذب بالرسول محمد ﷺ فهو مكذّب، بخلاف الذي يشك: هل هو رسول أم لا؟ ولكن لا يكذبه. فالتكذيب أشد من الشك، وكلا الأمرين ينتفي معهما أصل الإيمان. وكل هذا التفصيل إنما قصدنا منه بيان أن نوعية التصحيح نفسها تختلف، وأن أول درجة من درجات التصديق الباطن هي زوال الشك، وبالتالي زوال التكذيب بالأولى، فبداية الإيمان هي «لا إله إلا الله»، وذلك إن لم تبلغه الأدلة القطعية بنبوة محمد ﷺ (٢).
______
(1) رواه مسلم (١٣)، وهو جزء من حديث طويل.
(2) بعض المنافقين عنده شك، وبعضهم عنده تكذيب، وهم أشد درجات المنافقين، والكفار منهم مكذبون ومنهم شاكون، ومنهم من لا يكذب في الحقيقة إنما عندهم استكبار، فزال عمل القلب من قلوبهم، وقد ينضم إلى ذلك تكذيب اللسان، فهم يكذبون بلسانهم، وإن كانوا يعلمون أنهم كاذبون فيما يقولون، كما قال تعالى عن مشركي قريش: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]، فالجحود والنفي كان بلسانهم بخلاف ما في صدورهم، وبعض علماء اليهود كانوا يصرحون للنبي ﷺ قائلين: «نشهد أنك نبي»، =
