وقفات تربوية مع السيرة النبوية
الشيخ أحمد فريد • السيرة النبوية • ص 9
نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ
المبدلين للشرع المتين، ثم بعد ذلك يسعون في إصلاح نفوس الناس وتعبيدهم لله ـ عزَّ وجلَّ ـ، وهذا المنهج مخالف للمنهج القرآني، وهو أن المعركة تبدأ مع النفوس، وذلك بتطهيرها من الشرك وتعبيدها لله ـ عزَّ وجلَّ ـ، وتزكيتها بالعبادات، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١]، وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لهمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥].
فوظيفة الدعاة تعبيد الناس لله ـ عزَّ وجلَّ ـ وقد فهم الصحابة رضي الله عنهم هذه الوظيفة التي هي وظيفة الرسل وأتباعهم، فدخل ربعي بن عامر على رستم قائد الروم، فقال: «إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام»(١).
فهذا هو طريق الأنبياء وأتباعهم ليس بالمواجهة المسلحة مع الجاهلية من يوم، ولا بالمهاترات السياسية، ولكن بالدعوة والبالتربية الصحيحة وبقيام الليل وصيام النهار، ثم بالبذل والتضحية لرفع الراية والوصول إلى الغاية. وينبغي أن يكون واضحًا كذلك أمام الدعاة إلى الله ـ عزَّ وجلَّ ـ - أن الطريق طويل وشاق، وأن الدعوة تنتقل من مرحلة إلى مرحلة، وأن لكل مرحلة من مراحل الدعوة عبوديتها اللائقة بها فحيث كان الصحابة بمكة مستضعفين ليس لهم دولة ولا شوكة كانت العبودية في هذه المرحلة في الجهر بالدعوة، وتحمل الإيذاء والاستهزاء والتعذيب والتكذيب، وكانت العبودية في كف الأيدي وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة. ولما فتحت المدينة بالقرآن وبايع الأنصار رسول الله بيعة العقبة الثانية، وأمر النبي ﷺ الصحابة بالهجرة. صارت العبودية في ترك الأولاد والأموال والأهل والعشيرة، والفرار بالدين لتقوية شوكة المسلمين، وإقامة الدولة الإسلامية بالمدينة النبوية، ولما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة، وأسس دولته وقويت شوكته
______
(1) انظر: قصة دخول ربعي بن عامر على رستم في «تاريخ الطبري» (۳/ ۵۲۰) ط. دار المعارف.
