شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

وقفات تربوية مع السيرة النبوية

الشيخ أحمد فريد • السيرة النبوية • ص 121

نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ

فقد جاءوا من يثرب مؤمنين أشد الإيمان، وملبين داعي التضحية مع أن معرفتهم بالنبي ﷺ كانت لمحة عابرة غبرت عليها الأيام، وكان الظن بها أن تزول، لكننا لا يجوز أن ننسى مصدر هذه الطاقة المتأججة من الشجاعة والثقة، إنه القرآن، لئن كان الأنصار قبل بيعته الكبرى لم يصحبوا الرسول إلا إماماً، إن الوحي المشع من السماء أضاء لهم الطريق وأوضح الغاية. لقد نزل بمكة قريب من نصف القرآن، سال على ألسنة الحفاظ وتداولته صحائف السَفَرة الكرام البررة، والقرآن النازل بمكة صوّر جزاء الآخرة رأي العين، فتشوك أن تمد يدك تقطف من أثمار الجنة، ويستطيع الأعرابي المتعشق للحق أن ينتقل في لحظة فداء من رمضاء الجزيرة إلى أنهار النعيم، والرحيق المختوم.

وحكى القرآن أخبار الأولين كيف أخلص المؤمنين فنجوا مع رسلهم؟ وكيف طغى الكفار وأسكرهم الإمهال فتعنتوا وتجبروا؟! ثم حل العدل الإلهي فذهب الظالمون بدداً، وتركوا وراءهم دنيا مدبرة ودوراً خربة.

فَأَدْبَرُوا وُجُوهُ الْأَرْضِ تَلْعَنُهُمْ... كَبَاطِلِ مِنْ جَلَالِ الْحَقِّ مُنْهَزِمِ

الإيمان بالله والححب فيه، والأخوة على دينه والتناصر باسمه، ذلك كله كان يتدافع في النفوس المجتمعة في ظلام الليل بجوار مكة السادرة في غيها، يتدافع ليعلن أن أنصار الله سوف يحمون رسوله كما يحمون أعراضهم، ويمنعونه بأرواحهم فلا يخلص إليه أذى وهم أحياء، إن مشركي مكة حسبوا أن حصروا الإسلام في نطاق لا يعدوه، وأرهقوا المسلمين حتى شغلهم بأنفسهم فناموا نومة المجrim الذي اقترب الإثم وأمن القصاص.

حَسُنَتْ ظَنَّاكَ بِالْأَيَّامِ إِذْ حَسُنَتْ... وَلَمْ تَخَفْ سُوءَ مَا يَأْتِي بِهِ الْقَدَرُ

وَسَالَمَتْكَ اللَّيَالِي فَاغْتَرَرْتَ بِهَا... وَعِنْدَ صَفْوَ اللَّيَالِي يَحُدُثُ الكَدَرُ

أجل ففي الليلة تحالف جند الحق أن يقسموا ظهر الوثنية، وأن ينتهوا بالجاهلية ورجالها إلى الفناء(1).

______

(1) «فقه السيرة» (161-163) باختصار.

الصفحة السابقة الصفحة التالية