وقفات تربوية مع السيرة النبوية
الشيخ أحمد فريد • السيرة النبوية • ص 129
نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ
الأسباب، لعلمهم أن كل هذا بل وجميع متع الدنيا لا يوازي ما أعده الله لهم على هجرتهم إليه، كما فهموا أن من ترك شيئًا عوض خيرًا منه دنيا وأخرى، كما حصل وصدقه الواقع.
السادسّة: أنهم لم يرضوا بالذلة والخنوع تحت من لا يدين بدينهم ولا يرضى به، حكمًا حتى يحصلوا على قوة عدوهم أو قريب منهم تاركين ما يملكون وراء ظهورهم من غير أسلحة تذكر، معتمدين على الله مع أخذهم بالأسباب التي استطاعوها ويستطيعونها، كالتسلل، والمكر، وإخفاء أمرهم عن عدوهم، وجمع كلمتهم، واتحاد صفوفهم، والعمل مستقبلاً على إيجاد القوة والمنعة من كل عدو لهم، وبهذا وتأييد ربهم فتحوا البلاد الناية، فاستعرض أيا المؤمن صفات المسلمين الذين نسج عليه نير الاستعباد والاستعمار، وخيم عليهم كابوس الظلمة اليوم، وقبل اليوم تجدهم على ضد صفات من ذكرنا(١).
٤ - وقال الغزالي: ليست الهجرة انتقال موظف من بلد قريب إلى بلد ناء، ولا ارتحال طالب قوت من أرض مجدبة إلى مخصبة، إنها إكراه رجل آمن في سره، ممتتد الجذر في مكانه على إهدار مصالحه وتضحية أمواله والنجاة بشخصه بحسب، وإشعاره وهو يصفى مركزه بأنهم مستباح منهبوب، قد يهلك في أوائل الطريق أو نهايتها، وهذه لا يطيقها إلا مؤمن، أما الخوار القلق فما يستطيع شيئًا من ذلك، إنه من أولئك الذين قال الله فيهم: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اُقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٦٦]، أما الرجال الذين التقوا بمحمد ﷺ في مكة وقبسوا منه أنوار الهدى وتواصوا بالحق والصبر، فإنهم نفروا خفافًا ساعة قيل لهم: هاجروا إلى حيث تعزّون الإسلام وتؤمنون مستقبله، ونظر المشركون، فإذا ديار بمكة كانت عامرة بأهلها قد قفرت، ومحال مؤنسة قد أمحلت(٢).
(١) «أصول السيرة المحمدية» (٧١-٧٣) باختصار.
(٢) «فقه السيرة» (١٦٦، ١٦٧) باختصار.
____________________
