شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

وقفات تربوية مع السيرة النبوية

الشيخ أحمد فريد • السيرة النبوية • ص 143

نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ

الذي لاقى في جنب الله ما لاقى، ومع ذلك فإن استحقاق التأييد الأعلى لا يعني التفريط قيد أنملة في استججام أسبابه وتوفير وسائله، ومن ثم فإنَّ رسول الله ﷺ أحكم خطة هجرته، وأعدَّ لكل فرض عدته، ولم يدع في حسبانه مكاناً للحظوظ العمياء.

وشأن المؤمن مع الأسباب المعتادة أن يقوم بها كأنها كل شيء في النجاح، ثم يتوكل بعد ذلك على الله؛ لأن كل شيء لا قيام له إلا بالله، فإذا استفرغ المرء جهوده في أداء واجبه فأخفق بعد ذلك، فإن الله لا يلومه على هزيمة بُلي بها، وقلما يحدث ذلك إلا عن قدر قاهر يعذر المرء فيه، وكثيراً ما يرتب الإنسان مقدمات النصر ترتيباً حسناً، ثم يجيء عون أعلى يجعل هذا النصر مضاعف الثمار، كالسفينة التي يشقُّ عباب الماء بها ربان ماهر، فإذا التيار يساعدها والريح تهب إلى وجهتها، فلا تمكث غير بعيد حتى تنتهي إلى غايتها في أقصر من وقتها المقرر. وهجرة رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة جرت على هذا الغرار(١).

٩ - وقال الشيخ الخضري - رحمه الله -: وبهذه الهجرة تمت لرسولنا ﷺ سنة إخوانه من الأنبياء من قبله، فما من نبي منهم إلا نَبَتَ به بلاد نشأته فهاجر عنها، من إبراهيم أبي الأنبياء وخليل الله، إلى عيسى كلمة الله وروحه، كلهم على عظيم درجاتهم ورفعة مقامهم أهينوا من عشائرهم فصبروا ليكونوا مثالاً لما يأتي بعدهم من متبعين في الثبات والصبر على المكاره ما دام ذلك في ذات الله(٢). قلت: ولذلك قال له ورقة: «ليتني فيها جذعاً إذ يخرجك قومك»(٣).

وقال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [إبراهيم: ١٣].

______

(1) «فقه السيرة» للغزالي (١٧١).

(2) «نور اليقين» (ص ٧٤).

(3) تقدم تخريجه (ص ٥٢).

الصفحة السابقة الصفحة التالية