شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

وقفات تربوية مع السيرة النبوية

الشيخ أحمد فريد • السيرة النبوية • ص 144

نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ

١٠ - قال الغزالي: يا عجباً لنقائض الحياة واختلاف الناس، إن الذي شهرت مكة سلاحها لتقتله ولم ترجع عنه إلا مقهورة، استقبلته المدينة وهي جزلات طروب، تنافس رجالها يعرضون عليه المنعة والعدة والعدد(١).

١١ - وقال محمد سعيد رمضان: قد يخطر في بال المسلم أن يققرن بين هجرة عمر بن الخطاب ؓ، وهجرة النبي - عليه الصلاة والسلام -، ويتساءل: لماذا هاجر عمر علانية متحدياً المشركين دون أي خوف ووججل، على حين هاجر رسول الله ﷺ مستخفياً محتاطاً لنفسه، أيكون عمر بن الخطاب أشد جرأة من النبي ﷺ؟

والجواب: أن عمر بن الخطاب أو أي مسلم آخر غير رسول الله ﷺ يُعتبر تصرفه تصرفاً شخصياً لا حجة تشريعية فيه، فله أن يتخير من الطرق والوسائل والأساليب ما يحلو له، وما يتفق مع قوة جرأته وإيمانه بالله تعالى، أما رسول الله ﷺ فهو مشرع، أي: أن جميع تصرفاته المتعلقة بالدين تُعتبر تشريعاً لنا، ولذلك كانت سنته هي المصدر الثاني من التشريع مجموع أقواله وأفعاله وصفاته وتقريره، فلو أنه فعل كما فعل عمر لحسب الناس أن هذا هو الواجب، وأنه لا يجوز أخذ الحيطة والحذر والتخفي عند الخوف، مع أنَّ الله - عز وجل - أقام شريعته في هذه الدنيا على مقتضى الأسباب ومسبباتها، وإن كان الواقع الذي لا شك فيه أن ذلك بتسبب الله تعالى وإرادته، لأجل ذلك استعمل الرسول ﷺ كل الأسباب والوسائل المادية التي يهتدي إليها العقل البشري في مثل هذا العمل حتى لم يترك وسيلة من هذه الوسائل إلا اعتد بها واستعملها، فترك علي بن أبي طالب ينام في فراشه ويتغطى ببرده، واستعان بأحد المشركين - بعد أن أمنه - ليدله على الطرق الفرعية التي قد لا تخطر في بال الأعداء، وأقام في الغار ثلاثة أيام متخفياً إلى آخر ما

______

(1) «فقه السيرة» للغزالي (١٨٣).

الصفحة السابقة الصفحة التالية