وقفات تربوية مع السيرة النبوية
الشيخ أحمد فريد • السيرة النبوية • ص 151
نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ
المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار
قال الدكتور أكرم ضياء العُمَري: ورغم بذل الأنصار وكرمهم، فإن الحاجة إلى إيجاد نظام يكفل للمهاجرين المعيشة الكريمة ظلت قائمة، خاصة وأن أنفة المهاجرين ومكانتهم تقتضي معالجة أحوالهم بتشريع يبعد عنهم أي شعور بأنهم عالة على الأنصار، فكان أن شرع نظام المؤاخاة، ولا تختلف الروايات في تاريخ تشريعه إلا اختلافا يسيرا، فهي تُجمع على أن المؤاخاة وقعت في السنة الأولى الهجرة، وتختلف إن كان ذلك بعد بناء المسجد في المدينة أو خلال بنائه، وكان إعلان هذا التشريع في دار أنس بن مالك كما صرحت الروايات، ووقعت المؤاخاة بين طرفين هما المهاجرون والأنصار، فآخى الرسول ﷺ بين كل مهاجري وأنساري اثنين اثنين، وقد شملت المؤاخاة تسعين رجلاً، خمسة وأربعين من المهاجرين، وخمسة وأربعين من الأنصار.
وقد ترتب على تشريع نظام المؤاخاة حقوق خاصة بين المتآخين كالمواساة بين الاثنين، والمواساة ليست محددة بأمور معينة، بل مطلقة لتتعني كل أوجه العون على مواجهة أعباء الحياة سواءً كان عوناً مادياً، أو رعاية ونصيحة وتزاوراً ومحبة؛ كما ترتب على المؤاخاة أن يتوارث المتآخون دون ذوي أرحامهم مما يرقى بالعلاقات بين المتآخين إلى مستوى أععمق وأعلى من أخوة الدم(1). ثم نُسخ هذا التوارث بقول الله تعالى: ﴿ وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﴾ (الأنفال: ٧٥)، وذلك بعد أن تغيرت أحوال المهاجرين بإصابة الغنائم، ومعرفة مسالك طلب الرزق في وطنهم الجديد. وهذه صورة مشرفة لمحبة الأنصار لإخوانهم المهاجرين.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالت الأنصار: اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل. قال: لا، فقالوا: أتکفونا المؤونة ونشرككم في الثمرة؟ قالوا: سمعنا وأطعنا(2).
______
(1) «المجتمع المدني في عهد النبوة خصائصه وتنظيماته الأولى» (٧٤-٧٦) باختصار.
(2) رواه البخاري (٧/ ١٣٣) مناقب الأنصار. إخاء النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار.
