شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

وقفات تربوية مع السيرة النبوية

الشيخ أحمد فريد • السيرة النبوية • ص 169

نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ

★ أحداث الغزوة

قال ابن القيم: وأما أبو سفيان فإنه بلغه مخرج رسول الله ﷺ وقصده إياه فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري إلى مكة مستصرخاً لقريش بالنفير إلى عيرهم ليمنعوه من محمد ﷺ وأصحابه، وبلغ الصريخ أهل مكة، فنهضوا مسرعين وأوعبوا في الخروج فلم يتخلف من أشرافهم سوى أبي لهب، فإنه عوض عنه رجلاً كان له عليه دين، وحشدوا فيمن حولهم من قبائل العرب، ولم يتخلف عنهم أحد من بطون قريش إلا بني عدي، فلم يخرج معهم أحد، وخرجوا من ديارهم كما قال تعالى: ﴿بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٤٧]، وأقبلوا كما قال رسول الله ﷺ: «بحدهم وحديدهم تحاده وتحاد رسوله»، وجاؤوا على حرد قادرين، وعلى حمية وغضب، وحنق على رسول الله ﷺ وأصحابه لما يريدون من أخذ غيرهم، وقتل من فيها، وقد أصابوا بالأمس عمرو ابن الحضريمي والعير التي كانت معه، فجمعهم على غير ميعاد كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِن لِّيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٢]، فسار رسول الله ﷺ إلى بدر وخفض أبو سفيان فلحق بساحل البحر، ولما رأى أنه قد نجا وأحرز العير كتب إلى قريش أن ارجعوا، فإنكم إنما خرجتم لتحرزوا عيركم، فأتاهم الخبر وهم بالجحفة فهموا بالرجوع، فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نقدم بدراً، فنقيم بها ونطعم من حضرنا من العرب، وتخافنا العرب بعد ذلك، فأشار الأخنس بن شريق عليهم بالرجوع فعصوه، فرجع هو وبنو زهرة، فلم يشهد بدراً زهري، فاغتبط بنو زهرة بعد رأي الأخنس فلم يزل فيهم مطاعاً معظمًا(١).

قال الدكتور أكرم العمري: وقد وصف علي رضي الله عنه في رواية صحيحة كيف بات المسلمون ليلة السابع عشر من رمضان ببدر وأمامهم معسكر المشركين؟ قال: «لقد رأيتنا يوم بدر، وما منا إلا نائم، إلا رسول الله ﷺ، فإنه كان يصلي إلى شجرة ويدعو حتى أصبح، ثم إنه أصابنا من الليل طش من مطر، فانطلقنا تحت الشجر والحجف نستظل تحتها من المطر، وبات رسول الله ﷺ يدعو ربه ويقول: «اللهم إنك إن تهلك هذه الفئة لا تُعبد»، فلما طلع الفجر نادى: «الصلاة عباد الله»، فجاء الناس من تحت الشجر والحجف، فصلى بنا رسول الله ﷺ وحرّض على القتال(٢).

وعن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ يوم بدر: «اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تُعبد»، فأخذ أبو بكر بيده فقال: «حسبك»، فخرج وهو يقول: «سيَهزم الجمع ويولون الدبر»(٣).

قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ: فأنزل الله في تلك الليلة مطراً واحداً، فكان على المشركين وبالاً شديداً منعهم من التقدم، وكان على المسلمين طلاً طهرهم به، وأذهب عنهم رجس الشيطان، ووطأ به الأرض وصلب به الرمل، وثبت به الأقدام، ومهد به المنزل، وربط به قلوبهم، فسبق رسول الله ﷺ وأصحابه إلى الماء فنزلوا عليه شطر الليل، وصنعوا الحياض، ثم غوروا ما عداها من المياه، ونزل رسول الله ﷺ وأصحابه على الحياض، وبُني

____

(1) روا مسلم (١٢/ ١٢٥، ١٢٦) الجهاد والسير.

الصفحة السابقة الصفحة التالية