شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

وقفات تربوية مع السيرة النبوية

الشيخ أحمد فريد • السيرة النبوية • ص 60

نص محوَّل بالذكاء الاصطناعي من نسخة مصورة، يُرجى الإبلاغ عن أي خطأ

ومن أجل هذا أجمع جمهور الفقهاء على أن المسلمين إذا كانوا من قلة العدد أو ضعف العدة، بحيث يغلب على الظن أنهم سيقتلون من غير أي نغاية في أعدائهم إذا ما أجمعوا قتالهم، فينبغي أن تقدم هنا مصلحة حفظ النفس؛ لأن المصلحة المقابلة وهي مصلحة حفظ الدين موهومة أو منفية الوقوع. ويقرر العز بن عبد السلام حرمة الخوض في مثل هذا الجهاد قائلاً: فإذا لم تحصل النكاية وجب الانهزام، لما في الثبوت من فوات النفس، مع شفاء صدور الكفار، وإرغام أهل الإسلام، وقد صار الثبوت هنا مفسدةً محضةً ليس في طيِّها مصلحة. قلت: وتتقديم مصلحة النفس هنا، من حيث الظاهر فقط.

أما من حيث حقيقة الأمر ومرماه البعيد فإنها في الواقع مصلحة دين، إذ المصلحة الدينية تقتضي في مثل هذه الحال أن تبقى أرواح المسلمين سليمة، لكي يتقدموا ويجاهدوا في الميادين المفتوحة الأخرى، وإلا فإن هلاكهم يعتبر إضرارًا بالدين نفسه، وفسحًا للمجال أمام الكافرين ليقتحموا ما كان مسدودًا أمامهم من السُّبل.

والخلاصة: أنه يجب المسالمة أو الإسرار بالدعوة إذا كان الجهر أو القتال يضر بها، ولا يجوز الإسرار في الدعوة إذا أمكن الجهر بها، وكان ذلك مفيدًا، ولا يجوز المسالمة مع الظالمين والمتربصين بها إذا توفرت أسباب القوة والدفاع عنها، ولا يجوز القعود عن جهاد الكافرين في عقر دورهم إذا ما توفرت وسائل ذلك وأسبابه (١)، اهـ.

٢ ـ أكثر الذين استجابوا لدعوة الرسول ﷺ من الضعفاء والموالي، وهم أقرب الناس إجابة لدعوة الرسل؛ لأنهم لا يصعب عليهم أن يكونوا تبعًا لغيرهم، أما الكبراء وأهل الجاه والسلطان فيمنعهم الكبر وحب الجاه والرفعة عن

__________________

(1) «فقه السيرة» لمحمد سعيد رمضان البوطي (٧٦، ٧٧) الطبعة الثامنة. وكلام العز بن عبد السلام من «قواعد الأحكام في مصالح الأنام» (٩٥/١).

الصفحة السابقة الصفحة التالية